سالم

منتدى للمواهب المختلفة ولنشر المقالات والقصص الادبية
 
الرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

  تنهدات عند كهوف الغربة مسودة رواية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سالم الحميد



عدد المساهمات : 9
تاريخ التسجيل : 05/01/2012

مُساهمةموضوع: تنهدات عند كهوف الغربة مسودة رواية    الخميس سبتمبر 20, 2012 5:12 am

تنهدات
عند كهوف الغربة
رواية
تأليف سالم الحميد








طيران مهاجران . فرا من سجن الرهبة في ليل بهيم مضيا يتحديان وحشة الليل .روحان بريئان . غير الأمان لا يبغيان ..
في سفر الزمان تعلما أن الترحال قدر لا يستقر فيه حال .
وأن حب بلا أجنحة أمل لا يدوم مهما كانت المسافات قريبة .و كثرة الأسفار نذر على الطيور المهاجرة أن تؤدي مراسيمه . رغم أن الطرق محفوفة بالأخطار ..تعلما كيف يكونا بعيدين عن سربهما ، رغم آلامهما ؛ رغم الغيوم والمزن والأمطار والريح ، ينثران روحيهما ندى على أطياف الزمان ، كلما يسندان رئيسهما إلى متكأ
تعبث بهما الأقدار فقد كسرت أجنحتهما و أحيطت بهما الفخاخ من كل جانب
.واغتيلت قصائد حبهما المغناة ..وسكنت أرواحهما مرغمة تلك القفار ووحشة الغربة ،
فبين الدار والدار..
ومضة حرى .. ودمع يجف على المقل ، و عالم تكتنفه الأسرار مكبلتان بقيود لاتقد ..
تعلما كيف يسكنا كهوف الصمت ..كيف يعمدا السكون , ويأنسا لطوارق الليل والنهار, كيف ينثرا الأزهار رغم أشواك الطريق ’ فيدمى قلبيهما
بعد أن نأت بهما المسافات والديار.. يتوقان لسفر بعيد سفر الخلاص الأبدي من كل الأدران .. يتوقان لربيع دائم الاخضرار
وورد يفوح عطرا وروضا وعيون ونسيم يداعب شواطئ روحا مترعة بالعشق والأسرار ،أحلام الشباب تملأ روح عزيزة التواقة للتغيير .. وفتنة الصبا تبقى متماهية مع عالم البراءة أن لم تدنسها الأقدار ..ووقع حبات الندى عالم يضوع
إذا ما قبلت بثغرها.. غرر النهار ...
سارا عبر حقول ألغام محفوفة بالمخاطر ..
فكانت البداية .. من أول خطوة بدأتا فيه مسيرة الصعود نحو الهاوية
إلى بغداد .. حيث يسير الباص ينهب بعجلاته الشارع الأسفلتي ..
ألحت أمي على أبي أن لا يسلم زمام الأمور بيد أشقاءه الذين كانوا يضمرون له حقد دفين . ألحوا بأن أكون أنا من نصيب كاظم المجنون .. زوجة له .. يستر علي من غدر الزمان هكذا قالوا .. فهو أبن عمي وليس هناك من هو أجدر مني بهذا الفوز العظيم .. قتلوا أختي وأرادوا أن يجهزوا علي بهذا الحكم الجائر .. كاظم بشكله المخيف وشعره الأشعث وعيونه التي تتقاطر شررا أكون أنا الحمل الوديع زوجة له ..هكذا أرادوها ..كل شيء أعدوه لأكون أنا الضحية الأخرى . بعد أن شحذوا سهام لؤمهم وغدرهم . كنت خائفة مجرد التفكير بأن يقترب مني يثير الفزع بداخلي يجمد كل حركة قد تدب بأوصالي ..
حركة سيارة الباص تقطع علي حبل أفكاري لترنو عيناي إلى خضرة المروج الممتدة حيث الأفق البعيد تتنوع تضاريسها أمام ناظري بين سهول وهضاب ..أمي تلوذ بصمتها المهيب وكأنها تحمل هموم الدنيا كلها فوق رأسها .
بغداد ذلك الحلم الذي طالما شدني خيالي لرؤيا ها ، بغداد أم الدنيا ، جئناك هاربين من جور الأهل لنحتمي بحماك .. بعد أن ضاقت علينا ديارنا

أبي يسوي هندامه .. وهو يبتسم بفتور ابتسامة لا حياة فيها .. و يمسد شاربه الذي أختلط بعض من بياضه بسواده .فأضفى عليه وقار مهيب .. كان يشدني طوله , ووجه الأبيض .. وخضرة عينيه .. كنت أراه أجمل رجل في العالم .. تأبط عباءته البهارية النجفية .. وخرج إلى بيت عمي لا أعرف لم توجس غريب تملكني وأنا أراه يخرج ..
_ أبي
ألتفت ألي , وقال بصوت واهن .. لا تخافي ..الموت أهون من أن أزوجك لكاظم ..
كان أبن عمي بدشداشته المتسخة والممزقة وبرأسه الكبير الذي بدا كرأس ثور وكأنه جاء من عالم آخر ليس من عامنا ينظر إلى أبي ببلاهة وجهه المرعب يثير اشمئزاز أبي فيقف ليبعده بحجر كان يرميه يبتعد قليلا ثم يعاود ويتبعه بخطاه .. يقترب من بيت أخيه مترددا .. غير أن كاظم سبقه بالدخول إلى البيت .. ثم خرج وهو يرنو لأبي .. الذي بادره قائلا ..
_ أين أبوك ..
ولم ينتظر منه جواب .. غير كلمات غير مفهومة .. أريد الزواج من عزيزة .. عزيزة جميلة ..
بصق أبي في وجهه فندت منه ضحكة هستيرية ..لا إرادية .. ثم أبتعد عن أبي وهو يقلد حركة الحصان
أستغفر الله العظيم .. قال أبي متأففا ثم طرق الباب عدة طرقات ..
- كم بقى على وصولنا لبغداد يا أمي ..
- ساعتين أو أكثر .. لقد تعبت ..
توقفت الباص قرب أحد المطاعم الكل نزل منها .. البعض ذهب إلى المطعم .. وآخرون أكتفوا بأن يبحثوا عن مكان لقضاء حاجتهم أو شرب شاي أو التجوال لتمطية أقدامهم بعد أن أتعبها الجلوس .. تحسست أمي ما تبقى لديها من نقود إلا نزر قليل قد يفيدنا للطوارئ .
لم يكن مرحاضا بل كان حفرة مغطاة بالصفيح ومحاطة بجدران من البلوك وباب خشبي .. كانت الروائح تزكم النفوس .. كدت أن أتقيأ وأنا مضطرة لقضاء حاجتي ، أحسست بامتعاض غسلت يدي مرات بالماء لكني أحسست أن الرائحة لازالت عالقة بها ..
الساعة الثانية عشر ظهرا .. رأيت أمي تدلف إلى المصلى . كم أنا جائعة .. ربما قطعة صمون تعوضني بعض جوعي لازال في جيبي قطعة معدنية
ذهبت إلى صاحب المطعم .. قلت له أريد رغيف خبز ..
لم يأبه لي بل ظل يعد النقود التي في يده ، رددت كاسفة .. بقيت أنتظر أمي علها وأن تنتهي من صلاتها .. أقترب مني رجل كبير في السن .. كان يرقبني وأنا أطلب من صاحب المطعم رغيف الخبز .. جلب لي كيسا من الطعام ووضعه بيدي . لم أنبس ببنت شفة بل بقيت ذاهلة .. مرتبكة لا أعرف ما الذي أفعله
_ هل أنت وحدك ...؟
_ لا أمي معي ..
_ لم لا تأتيان معي في سيارتي فأنا متوجه لبغداد ..
فزعت من كلامه .. ابتعدت عنه .. راح يعرض علي إغراءاته من ثروات وجاه .. كنت خائفة جدا منه وخصوصا أنه
أ راد مسك يدي .. خرجت أمي من المصلى . وهي لازالت تبسمل .. وتصلي على محمد وآل محمد .. فنظرت نحوه بغضب .. قالت أمي بغضب وقد أدركت مرماه ..
_ما الذي تريده ..؟
تلعثم الرجل ولم يستطع الإجابة .. فندت منه كلمات لم نفهم منها شيئا ..ثم أستقل سيارته ليهرب بجلده .. الكيس لازال بيدي لا أعرف لم كنت متمسكة به أهو الجوع .. أرادت أمي أن تلقي به لكن ثمة توسل بدا في عينيي حال دون أن تنفذ أرادتها .. كان أطعم أكل أكلته في حياتي .. الجوع أخذ مني مأخذا .. اقتسمته أنا وأمي .. أكلنا بنهم .. لم نشبع لكنه أسكت بعض من جوعنا . تقاسمنا قدح من الشاي .. انتعشت له نفسينا . صعد الركاب تباعا إلى الحافلة .. حتى امتلأت المقاعد بهم ثمة لغط ولغو راح يرتفع شيئا فشيئا حتى ساد الصمت المكان إلا من محرك السيارة .. الذي راح يقطع المسافات بهدير متواصل ..
أمي أسندت رأسها إلى المقعد .. وأغمضت عينيها علها وأن تنعم بغفوة بسيطة ..
أبي يسافر معنا في ذات السيارة رأيته يجلس على مقعد المحرك لوحده هناك قرب السائق .. رأيته ينظر إلي وكأنه لا يعرفني .. لم ذهبت أليهم بقدمك يا أبي ..
حقد زوج عمي أم طمع أخوك حال دون أن تعود إلينا .. قابلتك بحقدها الدفين . وبلسان أفعى .. أضمرت لك السم الزعاف ..
_ ها حميد .. ما الذي جاء بك ..
_ أين مدهوش ..
_ في بيت دحام .. ثم استطردت قائلة (خير أن شاء الله )
كان عمي مدهوش يسير بهمة بعد أن رأى أبي واقفا بالباب .. ربما فضوله هو الذي جعله يسرع بخطاه .. وربما لأن في نفسه غاية يروم أن ينفذها بعد أن جاءت الضحية بأقدامها إلى جلادها ..
_ ها حميد .. خير
_ لن تكون عزيزة لكاظم المجنون إلا وأنا تحت التراب
فقال ببرود
_ كاظم ليس بمجنون ..
_ هذا خط احمر
_ والله سوف لن تتزوج عزيزة من غير كاظم وأن كان مجنونا ..
_ أهو تحد ..؟
_ أ تريدها أن تفضحنا مثلما فضحنا بكريمة ..؟.. أن زواجها من كاظم ستر لها
_ ما الذي تريده بالضبط ..؟
_ أن ترحل .. فأنت عار علينا وعلى العشيرة أنت وبناتك وزوجك ..
_ وأرضي ومالي .. ؟
_ سنعوضك عنها ..!
_ وبأي حق
_ لأنك عار و يجب أن نستأصلك من جسدنا ..
عارك أغرقنا بالوحل ، وها أنت تريد ان تنكس عقل رؤؤسنا من جديد
العار يا حميد يجب أن يستأصل ..
حاول عمي ضرب أبي إلا أن أبي دفعه بقوة فأسقطه أرضا .. مسكت زوجة عمي بتلابيب أبي وهي تصرخ تجمع حوله أولاد عمي وحاولوا أن ينالوا من أبي إلا أن أبي أخرج مسدسه .. من حزامه فلم يجرؤ أحد على الاقتراب منه .. الكل ابتعد يلوذ أحدهما بالآخر إلا زوجة عمي حيث باغتته ومن الخلف بعمود من حديد على رأسه فسقط على الأرض .. تكالب الجميع حوله بين ركل وضرب ورفس حتى فقد وعيه مخضبا بدماءه ..
حملوه إلينا .. يأن أنين المحتضر .. تباكوا عليه بكاء التماسيح .. جلسوا ينتظرون ساعة الخلاص . بعد أن غاب عن الوعي لأيام .. ثم لفظ أنفاسه ...ليودع الله وديعة أنا وأمي
انتهت رحلتنا في الكراج وانتهى شريط أفكاري الذي راح بين فترة وأخرى يأخذني من عالم الواقع إلى ذكريات الأمس القريب .. نزلت من الباص توجهنا بخطى متثاقلة إلى السيارات الذاهبة إلى مدينة الثورة ... مسكت يد أمي فشعرت بسخونتها ..صعدنا إلى سيارة الكوستر ..









_1_

_ نحن من العمارة ..
ثم أطرقت رأسها لتكمل سؤالها
_نبحث عن رجل أسمه رحيم أبو خالد
راح الاسم يدور في ذاكرة المرأة علها وأن تعرفه , ذاكرتها لم تسعفها . رغم تقافز الأسماء إلى ذهنها وهي تتبرم بصوت مسموع ..مكرره رحيم أبو خالد
اسم زوجه ربما يقرب لها الصورة أكثر ..
هكذا هيأ لأمي المتلفعة بسواد غربتها وغبرة الدروب .. أن تقول لتبدد حيرة المرأة..
_ زوجه أسمها جسومة أم خالد
ضربت المرأة على فخذها بيدها وكأنها تذكرت فجأة أسما غاب عن بالها ، أنها تعرفه جيدا هذا الاسم لم يكن غريبا عليها فلم شطت بها الأفكار بعيدا ( يا لغبائي ) ثم استطردت قائلة ..
__ يا اا ...أم خالد تلك المرأة المكتنزة .. ثم ضحكت وهي تنظر إلينا بعينين فضحت نظراتها بياض أحداهما ..
كم أتطير من هذا الفأل السيئ .. لا أعرف لم أقشعر بدني وأنا أنظر إلى وجهها ...
_ نعم هي .. امرأة بدينة ..
قالتها أمي دون أ ي تفكير : ( نعم هي .. )أي امرأة تكون
فقد مللنا التطواف بين الأزقة والطرقات كأننا نبحث عن إبرة بين كوم من القش .. في هذه المدينة الكبيرة ( الثورة ) بشوارعها الترابية المكتظة بفقرائها والمهمشة كأنها وقف منسي ، يتيه القادمون إليها .. لتشابه قطاعتها وبيوتها المبنية على نسق واحد دون إي آثار للحداثة في البناء والعمار ة أشباح بيوتها جاثمة كأنها قبور جاءت من عمق التأريخ ..تمتطي صهوة الفقر والجهل والمرض ..
أرادت أمي أن تقوم من مكانها إلا أن التعب
قد كبل أقدامها ، فشعرت بحاجة لمن يعينها على القيام .. كيف لي أن أعينها وأنا بحاجة لمن يحملني من هذه الأرض التي راحت تميد بي ، أكاد أن أتقيأ
راحت الأقدام تسير بتثاقل غريب ، ربما هو ذا الامتحان العسير ، رنت الأم لعيني التي أذبلها السفر والبكاء .. سرنا نحو ذلك البيت بيت خالي المزعوم تتقدمنا آمالنا متوجستان من أ لا يكون هو البيت المطلوب . ظلان لبعضنا أحدانا تنوء بثقلها على الأخرى , نبحث عن موضع لأ قدامنا بعدما ساقتنا الأقدار إلى حلم الخلاص من جور سجلت صفحاته السوداء في طي سفرنا المغمس بألم الخوف من المجاهيل ، لتكن تلك الصفحات حكاية .. حكاية قد يتنا قلها الناس شفاها .. أو تنثر بقلم أديب .. قد يبتز قلمه بعض من عواطفكم .. لكن لا بأس لأن مداد ذلك القلم مغمس بالدموع من أنين هذا الشعب المظلوم ...
نعم جئنا من العمارة تلك المدينة المتوارية خلف جدران الفقر والبيوت الطينية والجهل المفروض على أبنائها تستنزف دماء أهلها وعرقهم وكدهم وأحلامهم ، وأمراض تأتيهم كوباء فتفترس الكثير منهم دون أدنى شفقة ..
تلك المدينة التي راحت تطفو على بحر من البترول ، قالوا عنها إنها أغنى مدن العالم ولكنها أكثر مدنه فقرا ..
العمارة لفظتنا في ليلة لم تكن محسوبة من العمر ولم تسجل في تأريخها الممتد من آشور وحتى هذه الساعات مثل ما جرت علينا من أحداث .. هربنا من ظلم العشيرة وجور الأهل .. يقودنا أمل الخلاص .
إلى مدينة الثورة المتلفعة بغبرة شوارعها الترابية ، والتي أطلق جزافا اسم مدينة عليها ..مصير مجهول .. وعيون متطلعة نحو حياة أفضل ، ولكن بين بوابات الأمل واليأس خيوط واهنة ، إذ كل الآمال تموت قبل أن تولد
طرق الباب بعد لحظات من التردد والحياء والترقب .. طرقات واهنة لا تكاد أن تسمع .. تكرر الخبط ، ولكن دون جدوى .فالمتون والأبدان أكلها التعب وما عادت تقوى على فعل شيء. تنحت بعيدا علها أن تجذب أنفاسها .. سألت
أحد الأطفال ليؤكد لها أن هذا هو البيت المقصود ..
_ نعم هو ذا بيت أبو خالد
مما حفز بداخل أمي جرأة غريبة وقوة واتتها فجأة دون سابق إنذار ، جعلها تطرق الباب بقوة رغم الإعياء ويدها الواهنة ، أنها تريد الخلاص لتعرف أي مصير يكتنفنا .. بعد رحلتنا الطويلة المحفوفة بالمخاطر ...

_ من ..؟
_ أنا
جاءت الكلمات مختنقة بين شفتين متيبستين وعينين زائغتين في فراغ
فتح مستطيل الباب تدريجيا وحل بدل الفراغ جسد
امرأة في العقد الرابع من العمر أو يزيد قليلا .. كانت تنظر إلينا بنوع من الغرابة .. لم تر فينا صورة الأمس البعيد فقد تغير كل شيء ، علقت في ذاكرتها صور لفترة قد تمتد لست عشرة سنه منذ آخر زيارة لنا حيث كان عمري يزيد على سنة ، لكنها كانت كافية لاستعادة ملامح أمي التي لم تكن غريبة .. فالشباب الذي كانت تظن أنه لم يغادر وجه أمي ... قد استبدله الدهر بشيخوخة مبكرة وحزن كظيم وأخاديد حفرت بقسوة على محياها ، و الطفولة التي أودعتها عندي قد تحولت
إلى فتنة وشباب يفور ..
_ أم كريمة
ندت منها الكلمات باهتة كأن عقدة لسانها قد حلت فجأة
خرجت بكامل جسدها لتحتضن أمي . وتقبلها ..
- يا كم أنا مشتاقة إليك .. كيف حالك .. دهرا مر كبرنا وكبرت بنا الأيام
وكأنني أنتظر دوري من هذه القبل التي طالما كرهتها كنت أحسبها خداعا وزيفا ، رحت أحتضن أم خالد بآلية مرغمة عليها ، كدت أتقيأ وأنا أشم رائحة البصل تفوح من فيها ..
يا كم هو مقرف .. أن تكون مجبرا على فعل شيء لا تحبه
جسومة كتلة من اللحم .. تتقدمنا وهي تتهادى بمشيتها تسير الهوينا وكأنها بطة تتقلب ذات اليمين وذات الشمال .. تتمتم بكلمات بدت هي غير مقتنعة بها
ـ رحيم سيفرح كثيرا بكما ، منذ زمن وهو يتمنى هذه الزيارة
جلسنا على حصيرة من الخوص .. لازال فمها يعيد ويكرر كلمات بدت مملة وسمجة ، نظرت إلى عيون الأطفال التي راحت تلتهمنا بفضولها ، كنت أتمنى أن أسند رأسي لوسادة وأغط في نوم عميق ، شعرت بدبيب يسري في قدمي .. تنمل وألم . ورغبة بأن أبصق كل ما في حلقي من غصة وحرقة وأتربة لازال طعمها مرا أبصقه طينا تخمر في فمي .. خالي رحيم الذي تنكر لنا ونحن في أشد الحاجة أليه اليوم ساقتنا الأقدار لأن نحتمي به ..
لم يحضر جنازة والدي ولا أختي التي ذبحتها يد الغدر غسلا للعار .. نلوذ بالرمضاء من النار .. يا .. كم قاسية هي الأيام إذا ما حملت سيفها لتقاتل امرأتين كسيرتي الجناح ..
_ الله اكبر لا أله إلا الله .. لا بقاء إلا لله
بهذه الكلمات ودعوا أبي إلى مثواه الأخير .. مات ليتركنا وحيدين في دنيا مليئة بالذئاب ..
من يكون لنا بعدك يا أبي .. وسجلت الحادثة ضد مجنون .. ضد كاظم الذي أسقطت التهمة عنه .. بدعوى عدم ثبوت الأدلة وسجلت الجريمة ضد مجهول
.. هربنا في ليل بهيم تحدينا هوام الليل وشياطين الإنس .. مادام الموت واحد .. ليكن موتا فيه بصيص من أمل .. فهربنا تسترنا ظلمة الليل
هل الجمال لعنة . هل الفتنة والقوام الرشيق مرتعا للعذاب والألم ..؟ خذوا هذا الجمال وأعطوني الأمان .. أعطوني دفء سويعات .. لأنام على كفوف الراحة وهدوء البال
حاولت أمي التعرف على أولاد أخيها لكن ثمة نزعة بالعداء راحت تغلف قلوبهم وحقد في عيونهم لا نعرف مصدرا له ، توجس غريب منا .. وعيون متحفزة لردة فعل ما ..
_تعالوا يا أولاد أخي
أنفجر الجميع بضحك متواصل وقهقهات وحركات بهلوانية أثارت فينا بعض من حياء دفين .
_عيب هذه عمتكم
كلمات جسومة بعثت فيهم دافعا جديدا للضحك وهم يتواثبون علينا بين كر وفر وكأنهم قرود ،لينتهي ضحكهم بعراك وسب وشتم وتنابز بالألقاب فيما بينهم وكل محاولات جسومة بفك نزاعهم باءت بالفشل .. فأعلنت استسلامها بصرخة جزع تستدعي زوجها الغائب لينقذها مما هي فيه
_كفا .. أين أنت يا رحيم .. سأنفجر من هؤلاء الشياطين . لقد فقدت أعصابي .
تعظ على يدها وتصرخ بأعلى صوتها .. ربما هي اعتادت هذه الحال ، و ربما سنعتاد ها مرغمين نحن ، لكن ما يهمنا الأن هو أن ننزع ثوب تعبنا ونلقي بأنفسنا في شاطئ الهدوء ، غفوة ولو لساعة ، اختلطت علي الكلمات وبدت وكأنها ركام من الصخر يلقى فوق رأسي ..يسود صمت رهيب ، فأختلس هذه اللحظات لأغط في غفوة .. رغم هدير أفكاري التي لم تنقطع لحظة من سيلها الجارف نحو منحدرات رأسي المبتلى بأنواع الهموم ..
لحظت بطرف عيني امتداد صينية الطعام .. كم أنا جائعة لكن لا أ ستطيع الحراك وكأني ذبيحة مستسلمة للجزار .. اختنقت العبرات في داخلي وأنا أرى صورة أختي تتراءى أمامي بعيونها الشهلاء الواسعة لتفجر براكين حزن في داخلي .. لم تأبى أن تفارقني تلك الصورة في نومي ويقظتي
عندما أحلم أو عندما أخلو لنفسي ..
سمعت صوت أم خالد يحتال على أمي كي تأكل ..فأتى صوت أمي خافتا وكأن لا حياة فيها (( عزيزة ألا تأكلي ))
لا أعرف قلتها أم لا (ليس لي نفس ) حتى استسلمت لذلك السلطان المهيب .. ولم أصحو إ‘لا على
بكاء ونواح ونساء متلفعات بالسواد أحطن بنا .. لا أعرف من أولئك النسوة ، وجوه متعددة .. وأشكال مختلفة .. وعيون تتطلع إلينا بفضول ..
يا ترى أهو عرف ، أم عادة لا أعرف كل شيء غريب علي لأ ستكشف الأمور وأنا خرساء يلفني الصمت ، أحاول أن أتلبس بشخصية البليد الذي لا يعرف شيئا كل الأمور تبدو غريبة كل شيء يحتاج إلى تفسير .. فانا كمن يتعلم أبجدية الحروف لخوض غمار هذه الحياة عليّ أن أتعلم كل شيء . لأنها حياة أخرى تختلف عن حياة القرية .. بجداولها الممتدة والخضرة النضرة والأفق الواسع .. و معارف تتكرر صورهم علينا
حتى حفظنا كل تقاسيمهم ، كل عيب .وكل حركة من حركاتهم أحصيناها عاداتهم ، ما يحبون وما يكرهون .. هنا عالم آخر في يوم واحد رأيت أضعاف ما رأيته من البشر في القرية طيلة سني حياتي ..
لازال مجلس الحزن قائما . رغم البسمات والضحكات المباغتة ، سيل من الكلام لا ينقطع .. كأنه دوي نحل . عرفت أنهن من جيران بيت خالي ، وأن حياتهن مليئة بالمفاجئات ، بين خصام ورضا بين علاقات حميمية تمتد إلى أواصر ضاربة في العمق ، وبين عداء يصل إلى حد القطيعة .وبين بين تتلاشى الفروقات أمام كل طارئ تتحول العلاقات في لحظة من حال إلى حال . يتزاورن بينهن بلا حجب ولا ممنوعات لأن الرجال عادة ما يكونوا بعيدين عنهن وعن تلك الثرثرة التي لا تنتهي .. يا كم من النسوة الغائبات في هذه اللحظات قد تعرضن لمشارطهن التي لا ترحم عزيزا ذل ..
_ رحيمة أخت رحيم جاءت لزيارتنا جاءت من العمارة ..
_ هنيئا لك دهن حر .. وطيور ماء حرة ..
ألتفت إلى أمي رأيت في عينيها حياء وخجلا أحمرت له وجنتيها ،
_ أين بالعمارة
_ قلعة صالح ..
كانت تجيب أمي بكلمات مقتضبة وكأنها مثلي تريد الخلاص من هذا التجمع الذي أحصى علينا حتى أنفاسنا ..
رحت أقرأ ما يدور في خلدها أستشف من تلك الألوان التي راحت تتقلب على محياها .. لقد فقدنا كل شيء المال والحلال وظفرنا بجلودنا ..
_ أنا هنا أختك .. ورحيم أخوك .. لا تهتمي ستكونين معززة مكرمة
وكأنها قرأت لسان حالنا بفراسة لم تكن تبدو عليها من إمارتها بشيء ، لكنها غريزة المرأة وتوجسها وخوفها من قادم الأيام ، عرفت أن مقامنا قد يطول .. أطرقت أمي رأسها إلى الأرض هذا الرأس المحمل على صغره بهموم وهموم قد تكون بحجم الجبال .. راح ينوء بثقلها ..فبدت وكأنها ملتصقة بالأرض
ولم تخف تلك الهواجس إلا بخروج النسوة تباعا ولم تتبدد إلا بعد أن انقطعت علينا ثرثرتهن .. ليسود صمت للحظات .. لكنه صمت لذيذ
وقف رحيم عند مستطيل الباب يستعرض هذه الجموع التي راحت تخرج من البيت .. يرد التحية باقتضاب
_ أختك رحيمة
قالت أحداهن ...
-ماذا ..؟
سؤال فيه سذاجة أكثر مما فيه من استغراب لم أخله بهذا الجسم المهيب . وتلك النظرات التي تنبئ عن ضعفه واستسلامه لإرادة أخرى مسيطرة عليه جسومة التي طالما حكت لي أمي عنها وعن شخصيتها المؤثرة فيه , والتي منعنته من أن يتقدم ولو خطوة واحدة لإنقاذنا من سطوت أعمامنا ، تريد خالي أن يكون ملكا لها ، أن تحضر على كل قرار قد يتخذه بمعزل عنها .. أن تكون هي صاحبة الأمر والنهي ..
_ رحيمة .. أختي ..
رأيت دمعتين تتلألأن على مآقي عينيه ، لا أعرف أهي حقيقة أم محاولة للخداع ..
لم يزرهم أحد أنقطع عنهم الجميع حتى تحجرت القلوب وراحت كلمات العتاب تفيض كلما رآه أحد أقاربه أو معارفه .. حياته ما عادت غير جسومه وأولاده الخمسة . وأصدقائه في المقهى وهم يلعبون الدومينو في مباراة حامية الوطيس عرفت ذلك منه فيما بعد مباراة يكثر فيها السب والشتم والتبختر والخذلان والانكسار .والوعيد والنذير . وشلة من السكارى كان يمارس معهم طقسا أسبوعيا لذا حين كانت تلومه زوجته كان يقول لها أنه لا يشرب إلا بالمناسبات
سار باتجاهنا تزوغ نظراته بيننا وبين جسومة التي راحت ترقب المشهد بصمت غريب .. تقدمت أمي نحوه بخطى خجولة ،وابتسامة باردة تخفي دموع راحت تنزل بلا استئذان
- رحيم أخي ..
ربما دار في خلده لحظة اقترابه منا أن عليه أن يعيل امرأتين يضافان إلى حمله الثقيل الذي راح ينوء به . نعم أننا لم نأتي لزيارتكم .. بل أتينا للعيش معكم ..ربما حسبها بأصابعه أربعة أولاد وزوجته وأنا وأمي وهو .. ثمانية . ومرتب لا يصل حتى نهاية الشهر . شعرت به ينفض تلك الأفكار من رأسه ..
رأيته ينحني على رأس أمي ويقبلها منه . وتهم أمي بتقبيل يده . لكنه يجر يده ..
_ رحيمة لقد شخت قبل آوانك .. أيعقل إني أكبر منك سنا

_ لقد قصم الدهر ظهري
تذكرني خالي . تذكر أن ثمة شخص يجب أن يسلم عليه
تقدمت نحوه قبلت يده ، وقبل رأسي . ولولا سؤاله عن حالي لظل فمي مطبقا . لا أعرف لم رحت أقرأ الأفكار .. أهو إمعان بتعذيبي .. شاهدت كلام مضمر في العيون وقرأت كل كلام في الأعماق .. متأكدة أنه لا يعرف من أنا كريمة أم عزيزة .. ومن هي ذبيحة الشرف المقتولة عند معبد العرف والتقاليد .. راح يسأل مبطنا كلامه بمعرفة كل شيء . تركت أمي البوح بكل شيء لقادم الأيام بعد أن هدها التعب وأحست أن عيونها تحرقها ، وأنها راحت تتثاءب بين آونة وأخرى ..
ورغم شوقها لرؤية أخيها إلا أنها بدت وكأنها تحاول الفرار من المواجهة
_ لاشك أنكما متعبتان ارتاحا اليوم وغدا لنا حديث ...



***************
جلس خالي على أريكته ، وهو يتناول قدح الشاي بيده .
_رحيم
قالت جسومة تلك الكلمات وفي جعبتها الكثير .. عرف خالي ما تخفي زوجته من قلق وخوف وهواجس تبدو مشروعة فيهرب منها نحو كنتور قديم ، امتلآ بالملابس .. أراد أن يغير ملابسه فسبقته إليه وتناولت (دشداشة ) لتعطيه إياها ، أراد أن يفر بنظراته عنها لكنها أبت إلا وأن تواجهه بتلك الهواجس ..
_ أعتقد إنها زيارة ليوم أو عدد من الأيام
- بل إقامة يا رحيم
- هل نطردهما
- رحيم الحال لا يحتمل عبئا مضافا
- سيأكلون من أكلنا ويشربون من شرابنا ..
الله سوف لن يتركنا لابد أن يبعث لنا بباب رزق جديد ..
ابتسمت جسومة و نظرة من الطيبة والرحمة سكنت قلبها في هذه اللحظة ربما محاولة لعدم سبقها
للأحداث . ربما إنها كانت تخادع نفسها بأننا قادمين لقضاء حاجة أو لزيارة قصيرة ، لكن لا شيء يوحي بذلك
- سأتركهما في حدقتي عيني
نظر إليها زوجها وأفرحه هذا الكلام رغم إيقانه بأن ذلك جس نبض ربما قادم الأيام ستكشف حقائق الأمور
- أذهبي الآن حتى لا يشكا بالأمر

كان الجميع يسهبون بحديث له أول وليس له آخر ، لذت أنا بصمتي متلفعة بعباءتي أتطلع إلى الوجوه ..لم تند مني غير آهات متوالية . كأن مرجلا بخاريا في داخلي ..
ـلم هذا الوجوم .. يا عزيزة
قال خالي وهو يتطلع لعيني ..
ثم كرر كلامه رغم الابتسامة العريضة التي ملأت وجهي وحاولت بها أن أفوز ببعض من رضاه .. أو أغير واقعا فرض علي فرضا
_لم هذا الصمت لم أسمع صوتك منذ أن جئتما .. أتضنين علينا بحلو الحديث
_ أنها ثرثارة .. لكنه حياء الفتيات ..
_ أتستحي من خالها ..؟
لم أر خالي لكني رسمت له صورة في مخيلتي ، البعض كان بعيدا عما تخيلت والبعض الآخر هي خصال رسمتها أمي لأخيها الكبير .. صورة أضفت عليه بعض الهيبة ، والعزة والأنفة والشجاعة ، ولم يكن ذلك إلا من باب المبالغة أو آمان تتمناها أمي .. وقد تكون الصورة راسخه لولا أن أتت هذه الجسومة فتحول زمام الأمور بيدها مطاوعا إياها في الكبيرة والصغيرة ....
فتحولت تلك الهيبة إلى ضعف واستكانة ..
_ أنا لم أر عزيزة لكني رأيت كريمة رأيتها بجدائلها الذهبية ، وكأنها ليست ابنة العمارة كأنها أجنبية ( بنت المعيدي )
-الله يرحمها ...؟


كانت هذه الكلمات كافية حتى لا يسترسل خالي بالكلام عنها فأن دمائها لم تجف بعد .. خلتها تسبح ببحر من النجيع مازال لا يفارقني .. انحدرت الدموع من عيني أمي الثكلى بها ، فيما رحت أشحذ ذاكرتي بذكريات كثيرة عن طفولتنا ألعابنا ونحن نصنعها من قماش وأعواد من البردي ، عن صبانا ونحن نحلم بفارسين يتقدمان إلينا يحملانا فوق صهوة جواد يهما ننطلق في فضاء بلا حدود نطير بفرحنا الطفولي وضحكاتنا التي تناغي هدير الماء وهو ينجرف بسرعة من الماطور إلى الساقية .. لم تمض سنة على مقتلها ..
لأفتقد الصديقة والأخت والأم .. فقدت كل مباهج الحياة .. فأول ما اكتحلت عيني بقريب كانت كريمة التي صارت كظل لي .. كنا نغرق في حديث مسهب وتجلجل أصواتنا تحت الدثار نحاول كتم ضحكاتنا من أبينا الذي كان يتأفف وينفخ دخان ( سيجارته اللف )بعصبية
_ ألا تناما
ونحاول أن نمتص غضبه بصمت مؤقت لكن سرعان ما تبدأ الهمهمة والضحك .
أسم كريمة كافيا لأن يوقظ في داخلي براكين من الغضب .. كم تمنيت أن أنسى أن أبعد عني تلك الأشباح التي راحت تقلق صحوتي ومنامي .. أه يا زرع الله الذي نبت بأرض خاوية ..تجرعت غصص الموت وهي في ريعان الشباب ..
ليت لي قوة رجل لأقطع تلك اليد التي غرست في صدرها ذلك الخنجر المسموم
وأن أطعن القلب القاسي الذي قرر أن يكون قتل كريمة رفعة رأس وغسلا للعار
قتلت دون أن يترك لها مجالا للدفاع عن نفسها ، كيف نمتم أيها الأجلاف يا قاساة القلوب وأنتم تذبحون البراءة بأيديكم .. كل طعنة طعنتموها بها كانت طعنة نجلاء بقلبينا أنا وأمي .. يا ليت برزخا يحول دون تلك الذكريات ..
كنت أملأ القدور من الساقية أحملها أنا وصويحباتي .. نضحك نتكلم عما أعددناه للعيد أنا وكريمة كنا نترقب الشباب وهم يتطلعون نحونا دو أن ينبسوا ببنت شفة يبقى الكلام للعيون ..
ارتمت كريمة على الأرض مخضبة بدمائها محلولة الشعر لا يستر جسدها إلا ملاءة بيضاء .. قتلوها بوهم غسل العار الذي ظل يطاردهم .. بالقتل بالدم المسفوك يغسل العار . فصول من الربيع قد تحولت في لحظة إلى خريف .. كانت جثة هامدة لا حراك فيها .. حتى أخر زفرة نزت أخر قطرة دم ، تحجرت مآقيها ، وفغرت فيها ، تقلصت قدماها ، وانكمشت أصابعها على بعض ضاغطة بها على ثوبها المخضب بدمائها .. مستطيل الباب لازال مكتظا بأهل القرية ، وأعمامي وأولاد عمي ، ينظرون إلى تلك الذبيحة كأنها أضحية العيد .. وقفت عند الباب ، لا أعرف ما لذي أفعله ، أيكفي صراخي لأوقظها من رقدتها ، أيكفي أن أسبح ببركة المياه الآسنة ا لأشعرهم بأن كريمة ماتت ، عمي يتبختر في الدار ماسكا خنجر غدره بيده ، يستقبل زغاريد النسوة بشعور من الفخر والكبرياء .. شامخا معتدا بذاته وكأنه قتل لبؤة ،كان كالقائد المنصور ..
_ اليوم دفنت عارك يا حميد .. غسلت شرفك ، بعد اليوم لن تطأطأ رأسك بين
أهل القرية .. فهاهو ثوبك الأبيض الناصع البياض ترتديه من جديد ..
سلمت يمينك موحان .. أنت أبن أبوك
كنت أرتجف كالسعفة وأنا أرى أبي مطأطأ الرأس ، وأمي قد نثرت التراب على فوطتها .. ظلت عيني متحجرة على تلك الجثة ..
صرخت بأعلى صوتي
_ كريمة .. كريمة ردي علي . لم لا تردين
سمعت أمي تصرخ , تقدمت نحو أبي الذي أشاح بوجهة عني
ـ أمي ، من قتل كريمة .. قولي لي ..
تمرغت بالتراب هلته على رأسي ، حاولوا إسكاتي .. ارتميت على ذلك الجسد المسجى وأنا أصرخ بهستيريا .. سحبت من شعري وجررت عنوة إلى غرفتنا الطينية وأوصد الباب علي ..
قتلت تلك اليمامة الوديعة .. وقتل بداخلي كل شعور بالأمن والأمان ..
دون أن أعرف سببا لقتلها .. حتى هذه الساعة تحيط بي طلاسم ويكتنفني غموض غريب حول مقتلها رغم إلحاحي وسؤالي الذي لا ينقطع ..و إشاعات يتردد صداها في القرية ..
نفضت من رأسي غبار تلك الذكريات .. التي لا تملك إزائها إلا دموع تجود بها عيوننا دون مقابل ،
أنتبه خالي إلى ذلك الشرود الذي طويت تحت أجنحته
_عزيزة
_ هه ..
ثم زفرت زفيرا حادا .. وكأن مرجلا يغلي بداخلي
_ يا ااا أراك ذهبت بعيدا
أجبته بأدب وأنا أحاول أن أخفي انفعالاتي لأبدو أكثر طبيعية
أنا معكم با خالي
_لآبد إنها أحست بالغربة وعدم الألفة
_ لا بالعكس أنا اشعر بالأمان هنا
أجد متعة كبيرة بوجودي قربكم .. كم تمنيت أن أرى خالي فطالما حكت لي
أمي عنه
أحست جسومة بارتياب لهذا الإطراء ، الساعات تمر رتيبة رتابة عقارب الساعة ذات المنبه والتي راحت دقاتها تشكل وقعا في نفسي لا اعرف كنهه أهو خوف من المجهول أم ماذا
_إني مرتاحة بينكم خصوصا خالتي جسومة فهي طيبة جدا
قطعا إني لم أتكلم عن مشاعري الحقيقية .. بل حاولت المجاملة لأكسب ودها .. أحست جسومة بارتياح لهذا الإطراء ..مما جعلها تبتسم ابتسامة عريضة وهي تنظر إلى عيني لترى صدق مقالي..
_ أنتما بحاجة لنوم عميق
قال ذلك خالي وهو يهم بالخروج فقد قضى شوطا من سهرته المعتادة معنا وهو الذي لا تمنعه صروف الدهر من الابتعاد عن شلته
_ نعم نحن بحاجة لنوم عميق فاشعر أن أوصالي تكاد أن تتقطع وإن أقدامي تأن علي من كثرة السير
رأيت أمي تقوم بتكاسل ..وهي تهم بأن تمتد على ذلك الفراش القطني
حاولت جسومة النهوض لكن ثقل جسمها منعها إلا وأن تتكئ على الحائط
رأيت خالي يسوي شعره بالمشط ويضع عطرا ..كان يبدو وسيما رغم أنه قارب الخمسين .. ثم خرج بعد أن ودعنا وهو يدندن بأغنية لم تطرق سمعي من قبل
*****

رحيم جابر واحد من ألملايين الذين سحقتهم الحياة ورمت عليهم أهوالها .. فطاوعوا الدنيا كرها .. غير عازفين عنها ، راغبين بها بعد أن رمت بهم في فلكها الدوار .. سرقت منهم العزم والقوة والإرادة .ومنحتهم حالة من القبول بالأمر الواقع .. الحياة عالم صعب يعصف بالكثير .ممن ليس لديهم القدرة على المقاومة . لم يستطع مجابهة الحياة .. وهي التي وقفت كثيرا بالضد منه ، قتلت الكثير من طموحه .. وهو الذي كان يتوق لأن يكون ذا شأن .. أن يكون شخصية مؤثرة .. كأن يكون عالما أو مفكرا أو أديبا .. أو أستاذا جامعيا .أمان لا ترتقي إلى مستوى الواقع فقد ظلت حبيسة رغباته .. لم يتفوق بدراسته .. لكنه لم يفشل أيضا حيث أنه حصل على وظيفة أرضت بعض من طموحه .. وتدور الحياة دورتها مثل رحى تطحن كل شيء.. وتشاء الأقدار أن يكون بين فكيها .. لتسحقه كما سحقت الكثير قبله .. أمام الحاجة والتي راحت تعصف به يقف عاجزا ..
جلسنا ذات مساء أنا وخالي .. سألته عن المقهى الذي يذهب إليه ولم لا يتأخر يوما عن الذهاب إليه ،مثلما يحدث كل يوم عند الذهاب لدائرته
قال خالي وهو يضحك
المقهى هو المتنفس الوحيد لي بهذه الحياة
مقهى أبو كاظم دكانين متلاصقين ببعض لا يدخلها غريب إلا نادرا ، توزعت المقاعد متقابلات يتوسطهما طبلة للعب الدومينو أو الطاولي .. يبدأ اللعب رتيبا ثم ما يلبث أن يدب الحماس باللاعبين ..يتعالى الصراخ .. والتحدي .. والوعيد .. ويتحول اللعب في لحظة ما إلى ساحة لأخذ الثارات ..ونزاعات وشتائم .. وتنهار الأعصاب الكل مشدود يتابعون بشغف تلك المباريات .. وأحيانا تغص بالمتفرجين يطالعون إلى من تكون الغلبة ..
أبو كاظم رجل كبير السن .. لا يحب شيئا في هذه الدنيا قدر حبه لمقهاه والزعيم عبد الكريم قاسم الذي احتفظ له بصورة قديمة له خبأها في زاوية من زوايا المقهى .. كان كل ما يقدم طلبا من الطلبات يقول
_ ألف رحمه على روحك عبد الكريم ..
وهي عبارة اعتدناها حتى أذا نساها يوما .. ذكرناه إياها
يقف في زاوية من زوايا المقهى يتأمل الدنيا التي أحنت ظهره وحرمته من الزوجة التي كان تعينه على ملماتها .. ولم ترك له إلا ولدا واحدا بعيدا عنه ..
لا أعرف لم خالي يحكي لي مثل هذه الحكايات أهي عذر يريد بها تبرير ابتعاده عن البيت أم أنه وجد أحدا ليحكي له ،
تلك المقهى أصبحت جزء من شخصيته ، تعامل معها وكأنها واجب مفروض .. لا يقبل خسارة .. ولا يرضى بانتصار يتيم أو انتصارين في المقهى يجد متعة فيه ما كان يجدها في بيته أو قرب أطفاله .. ورغم تعنيف جسومة له وانتقاداتها لكنه لن يحيد .. هي كذلك كانت مقتنعة ضمنا أنها لن تثنيه عن غيه بل بالعكس قد تفتح على نفسها ثغرة للتذمر والاعتراض .. فبالنسبة لها كل شيء مسيطر عليه راتبه الذي لا يأخذ منه إلا نزر قليل يكفيه الذهاب للمقهى .. وشرب ربع من العرق أسبوعيا .. عدم تدخله بشؤون البيت وخروج جسومة دون رقيب ..
كل هذا مقابل أن تعطيه الحرية ببمارسة هوايته
ذات مرة قال لي أنه لا يكره شيئا بحياته قدر كرهه للسياسة .. ولم أعرف حينها ماذا يعني بالسياسة .. يكره البعثيين لأنهم قتله ومجرمون وأنهم ليس لهم عهود ولا مواثيق .. ويكره القوميين لأنهم ضعفاء وجبناء .. ويكره الشيوعيين لأن السيد محسن الحكيم حرم الانتماء إليهم .. رغم شجاعتهم وتضحياتهم
كان يحكي لي ذلك ولم أفهم ما يريده لكنه كان يرتاح إذا ما وجدني جالسة أنتظر عودته .. لنسهر معا في سمر أكثره الغاز من الصعب فك طلاسمها لكنه كان قتلا للفراغ والملل بالنسبة لي و حالة من تفريغ الشحنات بالنسبة له
ورغم عدم فهمي للكثير من مقالته ، إلا إن نوع من التقارب الروحي .. والارتياح النفسي سرى بيننا
_ اعتقلت عام 63 دون سبب إلا أن الحرس القومي وجد في بيتنا صورة فيها حمامة .. قالوا عني شيوعي حينها ..
_ وهل أنت شيوعي ...؟

_ (ضحك خالي ) قائلا .. لو كنت شيوعيا لما بقيت لهذه الساعة ...!
_ أستاذ محمد كانوا يقولون عنه أنه شيوعيا .. كان المعلم الوحيد في المدرسة وقد اختفى حينها ولم نعد نعرف عنه شيئا ..
_ بالمشمش ..
ولم أعرف ما أراده خالي لكن هو هكذا يقول الكلام ولا يعطي تفسيرا له ، ويتركني في حيرة أحاول أن أستجمع كل ما أوتيت من فطنة وذكاء كي أعرف مقصده ..



ربت على كتفي وقال (تصبحين على خير )
تركني ثم مضى إلى فراشه ،حيث تضطجع جسومة كانت مستيقظة تنتظره
الأيام طالت وطال صبر جسومة على بقائنا ..
تحرك الفراش كله تحت ثقل جسدها وهي تدير وجهها نحوه
_ رحيم
حاول أن لا يجيبها ..لكنها كررت ندائها
_ رحيم ألا تسمعني
_ أسمعك قولي ..؟
قالها وكأنه يعرف ما بجعبتها .. لذا أتى رده متذمرا ..
_ أن مرتبك لا يكفي ..؟
_ وما الذي تريدينه ..؟
استوت بجلستها وكانت عيونها تقدح شررا ..
_ الأطفال بحاجة إلى ملابس ، المدارس على الأبواب ، نحتاج إلى دفاتر وأقلام وحقائب
ومصاريف مدرسة ..وأنت بكل برود .. لاه عنا المقهى وأصحابك .. وأختك وبنت أختك
_ هنا مربط الفرس أختي وبنت أختي ...
_ نعم أتعرف إني بقيت أقتصد حتى في المأكل والمشرب واللبس منذ أكثر من شهر وأنا أقسم طعام أطفالي معهما . لقد طفح الكيل
_ ما الذي أستجد يا جسومة هما يأكلان فتاتنا
_ أختك وابنتها .. والأولاد كبروا .. والبيت ... وتقول ماذا أستجد ، وأنت ضيفا في هذا البيت يأخذك الليل الصباح الباكر ولا تعود إلا وقد أنتصف الليل ، هذا فندقك المفضل وليس بيت لك به زوجة وأولاد
_ وماذا بعد ...
_ حريتي .. بيتي مملكتي ألا تحسب لها حساب
_ ومن ينافسك عليها ..؟ هما مثل خادمتين مطيعتين
_ لا أريد خادمات .. فأنا لست بنت الدامرجي أريد بيتي بلا خدم
_ لا تصرخي كفاك قد يسمعا صراخك
_ ومن قال لك إني لا أريد أن أسمعهما صوتي ..
رحيم أنظر أما أنا أوهما فاختر من تريد .. وحتى تختار فأنا في بيت أهلي ، أعتقد أنهم سوف لن يضنوا علي بكسرة خبز
_ جسومة أرجوك كفى أنا تعب جدا غدا نكمل حديثنا .. الآن نامي وغدا يحلها ألف حلال ..
ولم تسكت .. ظلت تزبد وترعد وهو يتصنع النوم ولما تعبت أشاحت بوجهها عنه .. وأذعنت إلى صوت عقلها أن كل ثورتها هذه سوف لن تجد لها من يصغي إليها
الصمت عم المكان .. بدا سكونا غريبا يلفنا رأيت الحزن يكسو شجرة الكروم الوحيدة وهي تتكئ على عريشة هزيلة ،

.. الططواء تنثر علينا شؤمها .. أعوذ بالله سمعت أمي تردد بصوت بالكاد أن يكون مسموعا كانت تسمع كل شيء هذا العراك الذي بدا روتينيا حتى أننا كنا نسمع دون أن تكون لنا القدرة على فض النزاع .. االخروج من البيت معناه موت لنا ، كل السبل مقطوعة أمامنا .. لا مال يعيننا على أن نستقل بحياتنا
ولا عمل يمكنني أن أعمله لأحمل جزء من العبء الذي يتحمله خالي حتى لو عملت خادمة . أو خبازة .. أو أ ضع ( بسطية ) أضعها قرب الباب لأبيع الحلوى للأطفال كلما طرحت مشروعا أجده مغلقا لأن لا رأسمال عندي .. وكان كبرياء جسومة عائق في تحقيق أي خطوة حيث ما أن أطرح فكرة إلا وقالت ماذا يقول الناس .. أمان ليس إلا لن تستطيع الخروج من حدود كوة رأسي .. خالي ما عاد يحكي مثل قبل كان دائم الشرود ,مهموما ...
أصبح الجميع لا يتكلم .. أمي بطبعها مقلة بالكلام .. جسومة تتهرب مني إذا ما أردت أن أكلمها .. الأطفال لا هون عنا بعالم آخر ,, حتى عندما نذهب للسوق ، أجدها ساهمة لا تتكلم إلا إضطرارا
السوق عوضني كثيرا جاء بمثابة تنفيس لما في داخلي من كبت وقهر قد يقتلني ،
أمي المسكينة تأقلمت مع الوضع صابرة على كل شيء من أجلي ، لأننا كما كانت تقول لا نستطيع المغامرة والسير بعالم مجهول لا نعرف مسالكه ولا دروبه .. فهو كالبحر عصي علينا الإبحار فيه ..
خبرت الدروب والأزقة وعرفت الكثير من الجيران .. أجد نفسي كطير يطلق من قفصه وأنا أذهب للتسوق بعدما أوكلتني جسومة لأكون بديلا عنها في مهمة أصبت عسيرة عليها لكنها بالنسبة لي كرحلة معرفة .. أول خروجي من الزقاق إلى الشارع تزكم أنفي رائحة شواء اللحم على المنقلة أتطلع إلى تلك الوجوه في المقهى ، أقف قليلا أمام المكتبة لأمعن النظر بصور الممثلين والممثلات عرفت شكري سرحان ، وفريد شوقي من خلال التلفاز الملون الذي جلبه خالي .. كثيرا ما كنت أسرح وأنا أرى الذهب يبرق أمام عيني ,, عند الصائغ ..كنت أقف أمام المعروضات أتأملها وأتخيل نفسي متقلدة تلك القلائد .. بائع العطور يستحثني على شراء شيئا من بضاعته .. أتحسس النقود بيدي فأجدها بقدر ما هو مطلوب مني شراءه .. حتى أبسط الأشياء قد أحرم منها ( شعر البنات ) أو (العالوجة) كانت أمنية صعبة المنال لأني أرى أي تسريب للمال قد يفقدني ثقة جسومة فيمنعها من أن ترسلني للتسوق وهي متنفسي الوحيد للحرية بهذه الدنيا والذي بدأت أقطف ثماره ..
السوق كان عالم آخر بالنسبة لي كمهمة لاستكشاف عالم مجهول .. هنا ملتقى العشاق . . هكذا قالت جسومة مرة حين مررنا على دكان البزاز شاب في مقتبل العمر جميل الطلعة .. تقف دوما قربه فتاة جميلة جدا كنت أتطلع إليهما بفضول يثير ريبتهما أهرب حالما ينتبهان إلي متوارية بحياء عن أعينهما ..يتسامران غير آبهين لأحد حتى حين كان يأتي زبون تجده مشدوه البال .. مرتبكا ..متلعثما يود أن يصرف الزبون لغرض أن يختلي بفتاته .. عالم متحرر لو كان عندنا ذلك في القرية لقتلوهما في الحال .. يا الحرية بلا قيثود هنا نساء يذهبن للعمل متبرجات ، بلا حجاب أو ستر .. وفتيات يسرن بغنج ودلال حاملات حقائبهن المدرسية يسندهن على صدور هن الناهدة .. كل شيء هنا مباح ،هكذا صور لي عقلي الصغير هذه الحرية ، استنكرتها في داخلي بعد أن صدع رأسي من كثرة التنبيهات والمحظورات التي كان يجب أن أمتنع عنها .. أ لا أضحك بصوت مسموع ، ألا أن يسمع صوتي الأغراب ، ألا أتكلم مع غريب ، محظورا علي أن يسقط حجابي فوطتي ، المرأة كلها عورة إلا وجهها وأصابعها ... لم أنا امرأة .. لم هكذا خلقت ..؟ ما سر هذا التركيب الفسيولوجي للمرأة ،كيف تنجب المرأة . لم خلقت البكارة لتقاس عفة المرأة بها.؟ أسئلة .. إن لم نكتشف الإجابة عليها في يوم من الأيام ستدفن كسر من أسرار الكون معنا ..
ليت أني أستكشف سر هذه الحياة بعيدا عن رقابة أمي وخالي الذي أصب مسئولا عني منذ أن عشت في بيتهم ، وبعيدا عن رقابة جسومة التي تريد مني أن أحكم علاقاتي بمن يحيطون بي بعلاقاتها هي فإن خاصمت علي أن أخاصم من خاصمته ...
كنا نجلس عند الباب أنا وأمي وجسومة نراقب حركة الناس بعد أن يلفضنا جو البيت الخانق نحاول الترويح عن همومنا وأحيانا يجلس قربنا عدد من النسوة يتسامرن بأحاديث شتى .. أما أنا فأكتفي بالمراقبة
مرة واحدة غيرت كل الرتابة في حياتنا حين زرنا الأمام الكاظم .. رأيت مهرجان من الأضواء تتلألأ ، ورائحة البخور تضوع في كل مكان .. والقلوب مثقلة بالهموم تريد أن تنزعها هنا والعيون منبهرة ترنو بخشوع تمتد الأيادي متبركة تحاول المساس بالضريح عله وأن يكون سببا للشفاعة ولم تنمي الصورة من مخيلتي لأيام .. حتى خالطتها عدد من المشاهدات
السوق صار جزء من مشاهداتي اليومية
مكتظ بعشرات النسوة متلفعات بعباءاتهن السوداء .. والمحلات تكتظ بالرجال أو النساء حركة دائبة الكل يبحث عن غايته وسط بضائع معروضة ومعلن عنها تتنوع فيها المكونات بين فاكهة أو خضروات ,ملابس ، أقمشة ، بائعي الطرشي ، السمك ،لحوم معروضة على واجهة دكاكين الجزارين .. عطارين . صاغة . الكل يتطلع لرزق يومه .. تتعالى الأصوات هنا وهناك وثمة لغط ودوي لا ينتهي .. وعيني مبهورة بكل شيء ، لم أر ذلك من قبل .. لم تكحل عيني بمثل هذا المشاهد ..أتبع جسومة كطفل صغير يتبع أمه تتقاذفني أمواج المتسوقين تارة أبعد وحينا ألتصق بها , لكنه منظر ظل لصيقا بذاكرتي لفترة طويلة .. كبرت أحلامي وآمالي وصار لي رابط يربطني بهذه الدنيا بعدما قدت كل حبال الوصل معها .. بدأت أبحث عن رديف لكلمات بديلة اعتدتها .. تغير بي بعض من لباس وطباع تلك الفتاة الريفية المكتسية بثوب حيائها ..
تعلمت الكثير مما لم أكن أعرفه .. لم تعد تطوقني عين رقيب يحصي علي خطواتي . يلاحقني الخوف حتى آخر خطوة ألج فيها بيتنا .. حينها أتنفس الصعداء .. خالي لاتهمه هذه التقاليد بل كان لا يصغي لأي كلام يحاول إثارة الريبة .. كان يقول لن يمنع المرأة عن فعل القبيح إلا ضميرها ...رحت أتابع أولاد خالي وهم يحضرون واجباتهم البيتية رحت أتناول القلم وأجرب فك طلاسم الحروف .. دار دور .. تعلمت كيف أكتب أسمي.. تعلمت كتابة الأرقام .. الكثير من التغيرات التي طرأت على حياتي . كانت بالنسبة لي تحولات جذرية في العمق ربما لو خبرت الحياة .لوحدي لاستطعت أن أصمد أمام الكثير من العقبات والثبات ... مشاهد اعتدتها لكنها كانت جميلة غيرت الكثير في حياتي
ومشاهد أخرى اعتدت عليها لكنها كانت تنغص كل شيء جميل اختزنته في ذاكرتي ، المعارك اليومية التي تنشب بسببي أنا ووالدتي .. وأوامر جسومة الاستفزازية .. وضربها لأطفالها بسبب أو دون سبب ، كلها محاولات لإرغامنا على ترك البيت .. لكن كيف نترك البيت ..؟ والعيش بلا مال محال .. خصوصا أننا ما تعودنا الحاجة للناس .. ومد أيادينا لهم
وجسومة تزداد يوما بعد آخر في الإمعان بإذلالنا .. وتجريعنا قسوة ومرارة عيش مفروض علينا .. لذا كان علينا أن نصبر ..
وأكثر ما كان يؤلمني حين أرى أمي تغسل مؤخرة طفل قضى حاجته .. أو أراها تنظف المرافق .. كانت هي راضية بهذا النوع من التعذيب النفسي ، لحاجة في نفسها .. كانت دوما تجد المبررات لهذه الأفعال
_ جسومة محقة يا عزيزة أصبحنا عبئا عليهم
_ لم لا نبحث عن بيت يا أمي
_ ومن أين لنا بالنقود لندفعها أجرة للدار ..
كنت أرى الألم في عينيها وهي تغمس قطعة خبز بقدح من الشاي ، فيما تتنوع المأكولات في صينية جسومة هي وأولادها التي لا تخلو من البيض و القيمر أو اللحم ، كم تمنيت أن يبقى قليلا من القيمر في الصحون كي أتذوقه بعد أن فارقت طعمه منذ هروبنا من العمارة ..
كنت أقف أمام جسومة أحاول التركيز على كلمة تقولها وهي تملي علي طلباتها ..
_ أريد أربع ياردات من قماش السيرة
يعني إني سأذهب إلى البزاز وفتاته
يا .. كم تمنيت أن أسمع صوت هذه الفتاة .. أن أقترب منها أكلمها .. أعرف أسمها سبب وقوفها قرب البزاز .. أليس لها أهل يسألون عنها .. ولكن ربما هي قربيته .. اليوم هناك سبب للاقتراب منهما .. خرجت وأنا غير مصدقة أكاد أطير من الفرح .. كنت أضحك في داخلي وأنا أتذكر كلم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سالم الحميد



عدد المساهمات : 9
تاريخ التسجيل : 05/01/2012

مُساهمةموضوع: أضافة للرواية   الخميس سبتمبر 20, 2012 5:23 am

كنت أرى الألم في عينيها وهي تغمس قطعة خبز بقدح من الشاي ، فيما تتنوع المأكولات في صينية جسومة هي وأولادها التي لا تخلو من البيض و القيمر أو اللحم ، كم تمنيت أن يبقى قليلا من القيمر في الصحون كي أتذوقه بعد أن فارقت طعمه منذ هروبنا من العمارة ..
كنت أقف أمام جسومة أحاول التركيز على كلمة تقولها وهي تملي علي طلباتها ..
_ أريد أربع ياردات من قماش السيرة
يعني إني سأذهب إلى البزاز وفتاته
يا .. كم تمنيت أن أسمع صوت هذه الفتاة .. أن أقترب منها أكلمها .. أعرف أسمها سبب وقوفها قرب البزاز .. أليس لها أهل يسألون عنها .. ولكن ربما هي قربيته .. اليوم هناك سبب للاقتراب منهما .. خرجت وأنا غير مصدقة أكاد أطير من الفرح .. كنت أضحك في داخلي وأنا أتذكر كلماتها
_ لا تنسي ..سأرجعك مرة أخرى أن نسيتي
كنت أسرع بخطاي حتى لا ترجع بكلامها اليوم ستكون نقطة تحول في حياتي .. تتكرر علي نفس المشاهد اليومية . غابة من العباءات السود تتجه نحو السوق فرادى أو جماعات والكثير من الدكاكين التي كنت أتفحص بضاعتها بفضول مرت على ناظري دون أن أركز انتباهي إليها
أغمض عيني كلما مررت قرب باعة الدجاج وهم يقطعون رؤوس الدجاج ويجمعونها هي وأقدام الدجاج لتباع بأسعار بخسة للفقراء الذين لا يقدرون على شراء اللحوم فتكون وجباتهم المفضلة .. لا أعرف لم تعتريني رعشة وخوف وأنا أرى الدجاج يفرفر والدم ينز من أوداجه .. أحاول الهرب من هذا الممر الاضطراري للدخول إلى السوق ..

ابتعدت عن هذه المجازر البشعة
توغلت في السوق يقودني الفضول .. وقفت قرب الدكان .. ظنن أنت كل شيء لم يتغير كما شاهدته منذ البارحة نفس المكان البائع والفتاة يقفان تعلو شفاههما ابتسامتين جميلتين .. والعيون لا تكاد أن تفترق .. واللهفة تقرأ .. طالما حسدتك أيتها الجميلة على تلك الجرأة والشجاعة متحدية كل ما يقال من كلام ، غير آبهة لفضول العيون ..
خانتني توقعاتي هذه المرة حيث وجدت البائع وحيدا .. امرأة غريبة تتبضع منه .راح يقطع لها القماش .. ثمة سؤال راح يراودني يا ترى هل تأتي تلك الفتاة .. كم كانت أمنيتي أن أحادثها كنت أراقب عن كثب كل حركة ..كل قادم أثار ذلك ريبة البزاز مما جعله يتابع حركاتي فشعرت بارتباك أرغمني على الفرار من المواجهة فقد كان ينظر إ لي شزرا قد يضن إني لصة .. دلفت قرب أحد الباعة ...
وأنا أرقبه من بعيد .. أنشغل عني وهو يبيع أحد النسوة ..
أين أنت أيتها الجميلة تعالي كي أنهي تلك المهمة ..؟ ماذا لولم تأتي
اقتربت تلك الفتاة منها حتى كادت أن تصطدم بها رأت صفاء وجهها عن قرب .. واقتربت بخطوات ثابتة نحو البزاز الذي بش لها فطغت ابتسامة عريضة على وجهه
ودار كلام لم تعرفه .. ونثر الشوق . رحت أرقب يده تمتد إلى يدها بحذر . ر أيت تورد خديها وحمرة على خديها .. عرفت أن للعشق حلاوة لا يعرف مذاقها إلا العاشقين
تقدمت بخطى مرتبكة وأنا أتعثر حتى كدت أن اسقط وجدت نفسي كالسعفة أرتجف .. حاولت الثبات لكن بدا لي الموقف كمن يلج قفص للأسود ...

_ صباح الخير .. ابتلعت نصف الحروف وأنا أخرج هذه الجملة ..
_ صباح الخير .. تفضلي
أقترب مني وهو يرى آثار الارتباك علي وكأنه أشفق علي فأعطاني قدحا من الماء .. رحت أعبه بسرعة وكأني أريد أتخلص من خوفي وقلقي ..
_ أأمري ..
كنت خائفة ومرتبكة ..
_ أريد أربع كيلوات قماش ...
انفجرت تلك الفتاة بضحك عال أحرجني . وزاد من قلقي وتوتري و راحت تحاول كبح نفسها من محاولة الاستمرار بالضحك إلا أنها لم تستطع رغم
تنبيهات الشاب لها وهو يقول
_ صفية .. ما بك
وبنبرة حزينة وبانكسار تام ، وتحطم تلك الصورة التي رسمتها لها
_ هذه لهجتي ..؟
ثم هممت بالخروج ألا أن صفية مسكت يدي أوقفتني .. وهي تعتذر لي
_ أنا آسفة أنا لم أضحك على طبيعة لهجتك ، لأن لهجتك هي لهجة أبي وأمي لكني ضحكت على كلامك قلتي أريد أربع كيلوات قماش .. ثم شدت على يدي مكررة أسفها ...
_ أنا صفية .. وأنت
_ أنا عزيزة ...
_ عاشت الأسماء
_ اختاري أي نوع من القماش
فقلت بدون تردد
_ سيرة
_ لا بأس قال صالح وهو يقيس لها القماش ..
أجلستني صفية على كرسي فيما راح صالح يقيس القماش لامرأة أخرى .. رأيت في عينيها سحر جميل .. وكأني أعرفها منذ زمن طويل .. أردت أن أقترب منها أكثر وأحكي لها عن حالي .. فانبرت المكلمات بعفوية تامة
_ أن زوجة خالي هي التي طلبت مني ذلك تريد أن تجدد بعض الوسائد .. كنت مرتبكة وخائفة وأنا أرى شاب أمامي أكلمه بشكل مباشر ..
_ هل أنت من العمارة
_ نعم مر أكثر من شهرين
_زيارة
أطرقت رأسي ولم أنبس ببنة شفة ..لكنها أبدلت السؤال بصيغة أخرى
_ لم أتيتم إلى هنا
_ إنها حكاية طويلة .. لا أريد أن أشغل بالك فيها ..
رأيت حزنا عميقا في وجهها يا ترى هل كان يوحي كلامي إلى عمق مأساتي
حاولت أن أهرب من المواجهة لكن صفية .. استأذنت من صالح للخروج حاولت أن أعطيه النقود لكنه رفض ذلك .. ورغم إلحاحي عليه إلا أنه قال ( هذا مني أليك ) أول مرة أملك مبلغا من المال .. شعرت بارتياح كبير وأنا أتحسس تلك الورقة النقدية .. اختلست النظر إليها لأتأكد أن المبلغ لازال بحوزتي .. كانت صفية تسير إلى جنبي .. تقف قريبة مني أذا ما أردت شراء شيء ثم تعاود المسير .. حين خرجنا من السوق .. كنا قريبين من بعض
_أنتزعت منا أرضنا قتل والدي في نزاع العشيرة .. وأراد أعمامي تزويجي من أبن عمي المجنون .. فهربنا في ليلة ظلماء .. أنا وأمي وأتينا لبيت خالي ..
كنت أتحدث بأنفعال الكلمات تخرج موشحه بسواد روحي ...
_ أنت ضحية من ضحايا المجتمع .. نظام فاسد .. وشعب لا يقوى على مواجهة الظلم والجور وآفات التخلف الاجتماعي سلاح بيد السلطة .. للبقاء والمطاولة
لم أفهم مما قالته شيئا لكني أدركت أنها تتكلم عن السياسة تلك التي كان يتحدث عنها أستاذ محمد وخالي .. مما أثار في داخلي خوفا وسؤال مبطنا ( أتتكلمين بالسياسة ..؟) ثم أردفت قائلة
_ يقولون أن من يتكلم بالسياسة يأخذوه للسجن
ضحكت صفية وكأنها أدركت الفرق بين فهمنا للأمور .. ثقافتها هي وثقافتي أنا الفتاة الجاهلة التي لا تفقه من هذه الدنيا غير ذلك المحيط الذي لف شرنقته حولها .. فباتت لا ترى إلا جدرانها المحيطة بها .. د
_ الظلم سجن .. الفقر سجن .. الخوف سجن .. الجهل سجن
_ هل أنت معلمة ..
_ أنا طالبة في الخامس علمي ..
أسئلتي بلا معنى لأني لا أعرف ما تعنيه بالخامس العلمي .. ورغم ذا فقد حاولت ألا تشعر بجهلي .. سرنا وكأننا صديقتين . ودعتها وأنا أحاول الطيران من الفرح .. نسيت إني فزت بمبلغ من المال يمكنني أن أصرفه بما تشتهيه نفسي . ربما ( بقلاوة ) أو ( حلاوة شكرية ) أو أشتري عطرا .. كم عزيزة علي تلك النقود لا أعرف كيف أتصرف بها ..

******
كان خالي يعيش عذابا مركبا ، الهموم التي تكالبت عليه .. وعذاب زوجته التي راحت تضيق الخناق عليه وعلينا ، فقد كنا هدفا لها وكان هو يحاول أن يكون حامي لنا مدافعا ، فكل مشكلة قد تنشب لابد أن نكون نحن حطبها .. .. ثمة شيء يؤرقه .. وابل من المصائب راحت تتراكم حتى أصبحت تثقل كاهله .. وتحوله إلى شخص عصبي المزاج لا يطيق أي شيء حوله .. كنت واقفة خلف الباب استرق السمع إلى حديثه وشخصا لا أعرفه يقول له أن المدير سيقدم بلاغ ضده و ربما سيحال لمجلس تحقيقي .. كان خالي منكسرا يحلف له بأغلظ الإيمان أنه لم يسرق شيئا .
_ المدير عرف كيف ينتقم منك بعد أن أهنته أمام الموظفين
._ ستكون شاهدا .. قال ذلك بتوسل وبصيص أمل لاح له في عيون صاحبه
_ رحيم ألا تعرف إني صاحب عائلة ..؟
ودع الرجل خالي .. الذي ظل واقفا لأكثر من ساعة
.. كنت ألحظ .. كل تصرفاته .. لم يشكو لأحد سبب هذا الاضطراب الذي هو فيه ..
حتى أنه أصبح مقلا بالخروج من البيت .. لم يعد يذهب إلى مقهى أبو كاظم إلا نادرا ..

الصباح ثقيلة أنفاسه .. على خالي الذي راح يتعكز على همومه وهو يهم بالذهاب إلى دائرة البريد .. أقدامه تقوده عنوة .. ثمة عداء بينه وبين مدير المكتب الجديد أخذ النزاع يأخذ شكلا من التحدي .. وأصبح المدير الشغل الشاغل لخالي .. حتى إنا كنا لا نعرف طبيعة عمله لكنه وبفعل شكواه المستمرة .. أصبحنا نعرف الكثير مما كان يدور .. حتى أن بعض زملاءه استغلوا الخلاف الذي بينه وبين المدير ليدسوا أنوفهم .. فيضعوا إسفينا بين الاثنين ليعمقوا الخلاف بينهما .. لغرض أبعاد رحيم عنهم .. كان رحيم مسئولا عن ا لطرود والهدايا .. وحدث أن بعض المواطنين اشتكوا من نقص في الأشياء المرسلة إليهم ..أو عدم وصولها أصلا .. لذا فأن المدير .. أرسل بطلبه وأحيل إلى مجلس تحقيقي ..
_ رحيم جابر ..
_ نعم أستاذ
_ هناك الكثير من الطرود والخطابات تختفي .. وقد أظهر التحقيق أنها سلمت إليك .. يا ترى أين تختفي .. بعضها نماذج أدوية .. هذه شكوى من دكتور بعدم استلام هذه االنماذج .. هذه شكوى من شخص يقول أن أقاربه أرسلوا له صور كثيرة عائلية من الكويت لم تصل .. وهذه بطاقات تهنئة .. لمن تبيعها يا ترى ..
_ أنا أسلم البريد مباشرة للسعاة .. وعندي سجل يثبت ذلك
_ هل جلبت السجل معك ...
أعطاه السجل ..كان السجل يحتوي على معلومات عن رسائل عادية في حين لا يوجد أي طرد مستلم.. ليس فيه أي معلومة ..
_ ما هذا ...ا لسجل فارغ من المعلومات ..
_ غير معقول .. من غير الممكن ..
وشهد شهود شهادات ملفقة ضده.. و منح أجازة إجبارية ، لحين اكتمال نتائج التحقيق ..
صرخ بأعلى صوته .. الكل يعرف من هو ألحرامي .. لقد زوروا الأوراق زوروا كل شيء .. هم بأن يضرب المدير حمل الكرسي عليه وهوى به على رأسه لولا أن الكثير من الموظفين تدخلوا وحالوا دون أن يصاب المدير بأذى وفظ الاشتباك وأخرجوه عنوة فيما راح المدير يزبد ويرعد وهو يتوعده بالويل .. الكل يختلس النظر إليه خيفة لا أحد يقدر على مواساته .. الكل خجلا من نفسه .. أما لكونه أدلى بشهادة مزورة مجبرا , أو لأنه لم يستطع تقديم شيئا لمساعدته ..
أخذ أدواته الخاصة .. ودع بنظراته مبنى المكتب ونظر إلى تلك اليافطة العريضة .. والتي كتب عليها مكتب بريد الثورة وكأنه لم يرها من قبل
ذلك المكتب الذي أخذ الكثير من عمره ولم يعطه شيئا ... الأحداث بدت سريعة .. سار ببطء بين الحشود .. ودع عشرين سنة من عمره , مطرودا .. وليت أن ذلك نهاية المطاف .. فقد يعتبروها جنحة وسرقة للما ل العام حينها ستكون العاقبة وخيمة ..
_ أأضع لك غداء
_ لا أريد
_ ما السبب .. أراك مكتئبا ..
_ ليس لي نفس للأكل
_ أريد أن ارتاح أريد أن أنام ..
وقفت جسومة تنظر إليه وفي داخلها الكثير من الكلام المبيت ..
ثم انفجرت باكية
_ أنا لا أحتمل .. لم أعد أحتمل .. أن أعيش هكذا .. لقد تغير شكل حياتنا منذ أن دخلت
أختك وابنتها البيت
أضطجع خالي على فراشه .
_ كفاك تذمرا ، أرجوك
_ أنهما نغصا علي حياتي .. لم تعد لحياتنا طعم منذ أن دخلا هذا البيت
_ أتريدين أن أطردهما ..
_ أفعل ما تشاء .. ولكن خيرا لي أن أخرج وأترك لكم البيت ..لتهنأ به أنت وأم عزيزة
كانت عيني رحيم زائغة في الفراغ ، دارت الأرض به .و تحول أساه وحيرته إلى رعب وخوف .. رنى إلي أحسست بعمق مأساته ..
راح ينظر إلى الجميع نظرة فيها حزن.. وتوسل .. ألا نتكلم .. لم تجادله جسومه بل دخلت إلى غرفتها .. تظم أولادها تحت جناح حنانها .. كانت أمي خائفة على أخيها بشكل أثار ريبتي
ظلت تصلي حتى الصباح متضرعة لله أن يحفظه لعائلته وأن يطيل بعمره
رغم ذا فهناك قرار خطير في قرارة نفسها ستتخذه ما أن ينبلج الصباح



وعند الصباح وبعد أن هيأت طعام الفطور و أطعمت الجميع وغسلت الأطباق
وبحيوية لم أعهد بها من قبل .. وثمة ابتسامة تعلو وجهي تفضح ذلك الفرح الذي تسرب لداخلي .. خرجت حاملة فرحي على أنامل أقدامي يسبقني الأمل لملاقاة صفية وصالح .. فقد تكون لي أختا بعد أن فقدت الأخت .. ولم يعد لي من أبثها أحزاني ..
تلك العينين المتوقدتين حيوية وأملا وذكاء .. وذلك الوجه الباسم .. قد شدني كما يشد الحبيب لحبيبه .. هل يمكن أن تفتن امرأة بأخرى .. أنها جميلة وحلوة اللسان ورغم أنها نصف ساعة أو يزيد هو كل مادار بيني وبينها من حديث إلا أني كأني عرفتها من زمان .. أحسست بألفة غريبة نحوها ..
ضعت بين غابة من العباءات السود بين رواح وإياب وأخريات يفترشن الأرض لكي يشترين بسعر أقل مما هو عليه في الدكاكين .. كنت تبحث عما تريد جسومة أحاول جاهدة أن أخترق زحمة النساء .. ثمة يد امتدت إلى كتفي من الخلف كدت تصرخ لولا أنها حافظت على بقية من روعي . نظرت إلى الخلف و أنا أخشى المفاجئة تخيلت أن ابن عمي هو من مسكني ..فأقشعر شعر أسي ..
_ صفية
بددت رؤيتها كل خوف في داخلي ..
_ كيف حالك يا عزيزة ..؟
_ أهلا صفية .. لم أرك قرب صالح ..؟
_ اليوم أبوه في المحل
_وماذا يعني ذلك ...؟
_ أني أحب صالح .. وهو يحبني .. وننوي الزواج .. أهله لا يعرفون بعلاقتنا
_ ليس قريبا لك ..؟
_ لا
_ أنا لا أفهم فهمي بسيط قد لا يتعدى حدود جمجمتي ..
_ لا عليك ستفهمين ذ لك فيما بعد ..
ثم أردفت قائلة ..
_ عزيزة هل تودين بأن أكون صديقة لك .. ؟
_ يسعدني ذلك
_ أذن لنكن صديقتين .. سأسرك بأسراري .. وأنت تفتحي قلبك لي
شعرت بسعادة بالغة وأنا أتلقى هذا العرض الكريم . ظللتني غيوم السعادة
ولأول مرة أشعر إني خرجت من تلك الشرنقة التي أحطت نفسي بها أصبح الآن عندي صديقة .. أحسست بشعور غريب من السعادة ..
تباطأت خطانا .. كنا نسير باتجاه البيت انتهزتها فرصة لأدخلها إلى بيت خالي بعد أن غادرت جسومة بزيارة لأهلها هي وأمي أخذتها كحمال لبضاعتها أو لأبنها الصغير.. لا تأتي حتى المساء ..
_ هل هو ذا بيت خالك
_ نعم
_ عزيزة لم تقولي لي كيف أتيتم إلى هنا ..
_ أنه حديث طويل وذو شجون .. وقد لا يفيدك بشيء الحديث عنه
_ بل بالعكس .. تكلمي ففي داخلك حزن كبير
_ وهل تحدثيني أنت عن صالح
ضحكت صفية .. وراحت تنظر إلي بعطف ،رأيت أنا في داخلها حزن لا تريد البوح به .. ودعتني .. على أمل اللقاء مرة أخرى ..

******
وما أن تركتني حتى رحت أسترجع صور الماضي القريب ..عنت علي ذكريات ما كنت أود بأن تعيدها ذاكرتي .. تخيلت أن الوحدة تتحول إلى أشباح تحاول أن تفترسني ، خرجت إلى الباب حاولت أن أغير من قتامة الجو لكن منظر الغروب أستفز بداخلي حالة من الاكتئاب .. رأيت وجه عمي تنز منه الدماء .. يحمل خنجرا يحاول أن يقطع أوردتي .. كنت أهرب منه ..خفت أن أجن .. وأنا أرى شبحه مجسما أمامي ..
_ أريد أن يتزوج كاظم من عزيزة فهو أبن عمها وأحق بها من غيره
_ أبنك مجنون
قال أبي .. ذلك ..
راح كمن يلاحقني يحاول أن ينفث سمومه كأفعى . رحت أدور في ذات الغرفة
لا أحد يحميني منه حتى أبي رأيته منكسرا .. أنه يريد أن يمسخني يا أبي لم لا تتدخل .. أبي لا يحاول فعل شيء يكتفي بصمته ، وكأن صراخي لا يعنيه .. أنه يريد أن يكسر أرادتك ويحطم كبريائك ..
أمي تلح على أبي ألا يبدو انهزاميا هكذا .. عليه أن يثبت رجولته .. أبن عمي يركض ورائي .. ضحكاته الهستيرية .. تصم أذني تعبت من كثرة الركض أحسست أ لا طاقة لي على المقاومة لذت في أحد أركان الغرفة .. خائفة مذعورة وما أن فتح باب البيت حتى صرخت بأعلى صوتي واحتضنت خالي ورحت أبكي بكاء مر
راح خالي يمس شعري بأطراف أصابعه وهو يقرا سور من القرآن الكريم .. يحاول تهدئتي .. ألا أني كنت كالسعفة في مهب ريح .. وضع القرآن قرب رأسي وأنيرت مصابيح البيت كله .. ولم تهدأ نفسي .. ولم تهدأ روحي .. حتى استسلمت لنوم مضطرب , تلاحقني تلك الأشباح .ز تطاردني في صحوتي ومنامي
كان خالي يضع كمامات من الماء البارد ليخفض درجات حرارتي التي ارتفعت فجأة..
لازلت أرى ذلك الكابوس يأبى أن يفارقني .. قد أصاب بالجنون أوقد أتهم به على أقل تقدير .خصوصا وأن الحالة تكررت مرتين منذ أن قدمنا إلى هنا .
...

******
كنت أتحدث لصفية أحكي لها ‘ عن مقتل أبي .. لقد أحزنها مقالي .. شاهدت حزنا عميقا بعينيها .. ونبرة من الأسى في صوتها وهي تسألني ..
_ ألم يسجن قاتل أبيك ..
_ فبركت القضية كلها .. وألبست الجريمة لأبن عمي .. ومن ثم أتوا بشهود ليثبتوا أن كاظم لم يكن موجود ساعة وقوع الجريمة ..
عمي ظل يبكي بكاء مر .. أخ من الشيطان .. كان يردد هذه الكلمة مرارا .. ولم يبرد دم أبي بعد حتى أعاد طلبه بزواج أبنه مني .. مسكت أمي بندقية أبي وسحبت الأقسام .. ووجهتها إلى صدر عمي ...
_ قتلتم رحيم واليوم تريدون أن تشعلوا النار بجثته ..
هذا لن يكون .. لقد مات رحيم وهو يدافع عن أبنته أما أنا فلن أسلمكم عزيزة إلا وقد أخذت بثار رحيم بتفجير كل رؤوسكم .. لن تسلمونها إلا وهي جثة هامدة ..
_ تهددينا يا ساقطة ...
_ أخرج من بيتي وإلا سأجعل الرصاص يملأ جسدك ... يا أيها النذل
انهارت أمي بعد أن خرج عمي وهو ينفض عباءته متوعدا بنا السوء
وراحت تبكي بكاء مرا ..
_ لنخرج تحت جنح ليل لا مقام لنا بعد اليوم هنا .. أجمعي ما تستطاعين حمله ولنهرب .. جمعنا كل شيء في حركة مضطربة .. ذهبنا وما لدينا من مال .. رأينا فوانيس تتجه نحونا . تحملها أشباح ..
تركنا البيت وودعنا كل ذكرى لنا فيه .. سرنا بلا اتجاه محدد
_ هل معك الذهب .. يا أمي ..
لطمت أمي على وجهها ... ( لقد نسيته في البيت .) همت بالرجوع لكني توسلتها . بأن لا تعود سيقتلونها ...
هكذا جئنا خاليي الوفاض لا مال ولا حلال ..
وصلنا إلى بيت خالي .. ودعتني ولازالت أمارات الحزن تطرز وجهها .. أن قصتك أعجب من العجب العجاب ...
رغم ارتياحها من أنها أزالت بعض مما على قلبها من هموم ، إلا أن هناك الكثير الذي ينتظرني ، مفاجئات أتكهن بحدوثها ولكن لا أعرف كيف ستختلق جسومة أسبابها .. أول ما دخلت حتى فاجأتني وهي تحمل أبنها الذي لا ينفك عن البكاء
_ تأخرت السوق . ليس في العمارة ..
_ خاله أنها مسافة الطريق لم أتأخر
_ أنظري كم الساعة الآن . أنه وقت الغداء ..
سكتت جسومة فيما أطرقت أنا ، راحت تقلب المواد التي اشتريتها
_ سمك ..ملح .. سكر ..طماطم .. أين الشاي ..
_ آسفة ..نسيت لقد اشتريت سكرا بثمنه ..
كان ذلك بداية لثورة جديدة جندت لها كلف طاقاتها وما يحتمل لسانها من بذيء الكلام .وهي تصومني بكلمات قاسية ( ثوله . غبية . دماغ سز .. ) لقد بلاني الله بك بلاء فوق بلائي خالك سأمزق ملابسي وأخرج في الشارع .. أنت لا تنفعين بشيء .. عاشقة .. ربما .. حاجتين أرسلك بها وتنسي حاجة ..
_ لا يوجد مبررا لهذه الثورة .. سأ عيد السكر وآتي بالشاي بدلا عنه
_ ومتى تأتين في العشاء ..
كانت تنظر إلي نظرات لا أفهمها فبين غضبها وتطاولها علي بشكل سافر إلا أن ثمة عدم رضاء عن نفسها يدور في خلدها .. أحست أن هناك نقيضين يتصارعان في داخلها ..
أمي راحت تنظر إلي بحزن وعيناها قد اغرورقا بالدموع لم تند منها آهة ولا صوت .. يريح هذا الكم من ألأسى في داخلها .. كانت تنوي الوضوء لكنها تاهت في دوامة ليس لها حدود ..
تحملت كل شيء من أجلي ولا تتحمل أي شيء يحاول أن يؤذيني .. خفت أن تثور أن تفرغ كل شحنات قهرها في جسومة التي تداركت ردت فعل أمي وهربت من احتمالية المواجهة خصوصا أن جسومة حين تخاصم أحدا تترل لها بقية لتراجع نفسها بها ..
خرجت من البيت حاملة كيس السكر لأستبدله بالشاي وألف فكرة تدور برأسي ـ أحسست بحرارة تتسرب إلى جسدي .. تحسست خدي شعرت بسخونة .. بدا كل شيء مرتبك سيري اضطراب أنفاسي .. وثقل أقدامي .. وكأنني أسير بدروب مليئة بالأشواك .. كانت الدروب تعلوها سحب من الغبار ..الشوارع مكتظة بالمارة وكأنهم سيل لا ينتهي جريانه ..
إلى أي شيء نحن نسعى وإلى أين تأخذنا الدروب .. المجهول قد يسوقنا لأقدارنا بغتة .. اللحظات لا تتكرر مهما تشابهت الظروف ... بالخبز وحده لا يعيش الإنسان ..نحتاج للأمان والخبز.. كي تكتمل السعادة .. هكذا فلسفت الأمور على قدر معرفتي لها .. الرجل لازال يقتفي أثري حاولت أن أزوغ منه لكنه كان كظلي يتبعني .. صوته وهو ينادي باسمي يزرع الرعب في داخلي ويحفزني على الهرب من ذلك المجهول الذي راح يلح في المسير ..
_ عزيزة ,عزيزة قفي
وصلت قريبا من بيت خالي .. و كان من حسن حظي أن الباب كان مفتوحا .. دلفت إلى البيت بسرعة أغلقت الباب خلفي سمعت طرقات على الباب .. أفتحي الباب ..لم أميز الصوت لكني صرخت بأعلى صوتي وهربت .. رحت أختبئ في حضن أمي وأنا أرتجف مثل السعفة
_ أمي هو كاظم ..كاظم كان يتبعني ..
_ اهدئي .. لا تخافي يا عزيزة ..كاظم لا يمكن أن يأتي ..
لم أهد أ كانت عيني ترقب مستطيل الباب خفت أن يقفز من على الجدار ..خفت
أن يكسر الباب ويقتلني .. كنت فزعة إلى حد أني خفت أن يتوقف قلبي عن الخفقان ..
الباب يطرق بقوة وثمة صوت يصرخ أفتحوا الباب .. كنت مذعورة بشكل كبير.. وأمي تواسيني .. وقد شاركتني بكائي وهي تلعن الحظ الذي أوصلنا لهذه الحال .. فتح الباب وأخفيت رأسي في حضن أمي وأنا ابكي .. خيل أن الداخل هو كاظم بشعره الأشعث وبجسده ا لضخم .. وعينيه التي تتقادح شررا
سمعت خالي يعلو صوته ليقول .. عزيزة هذا أنا خالك .. لا تخافي ..كنت أنادي عليك ، لكنك كنت تجرين كالمجنونة .. خفت عليك أن تصدمك سيارة
_ أين كاظم ..
_ أي كاظم هذا ..
_ هل جننت
وقفت جسومة قريبة مني و في عينيها تأثر علي ..
_ أنك متعبة فقط .. ارتاحي ..
_ دعيها ترتاح
قال خالي لأمي .. التي راحت تمسك بيدي المرتعشة وتضمها لصدرها .. أحسست أن قلبا أضرم بنار قد بدا يتسلل إليه الوهن والندم ..
(( يا عالم الأسرار .. أما آن لك أن ترحم ضعفنا وقلة حيلتنا وصبرنا على مانحتمله .))
. الساعة تجاوزت الثانية صباحا الكل نائم إلا أنا وأمي التي راحت تراقبني
برودة بدت تدب بجسدي شرشف من القماش لم يقيني بردا تخلل كل مفاصلي جعلني أرتجف بشدة .. رغم أننا في بدايات الصيف عند منتصف أيار .. كان الجو جميلا عند منتصف الليل ..

نزلت دمعة من عين أمي ساخنة ، أحسست بها من خلال تورد وجها المائل للبياض
رأسها الصغير يمور بالكثير من الأفكار .. أدركت إن حالتي سيئة وأن الضغط النفسي الذي تمارسه جسومة معي قد زادني سوء .. كانت تكظم غيضها وهي تراني أنصاع لمطالب جسومة بغير اعتراض ، إذ راحت تؤنبني على كل تقصير حتى أصبحت أراجع طلباتها مرارا خوفا من أن أنسى شيئا ..كنا ندرك حقيقة أن وراء تصرفاتها هناك رغبات كامنة ونوايا مبيتة ..
ولكن من يخلصنا من سلطان جورها وسياط لسانها السليط .. غيران نذعن لأرادتها
ورغم ذا كنا نعرف أن لها عذرها في كل ما تفعل ...

الصباح لم يحمل أمل جديد رغم إن نفسي هدأت بعض الشيء من اضطرابها بل على العكس كدر صفونا صراخ في بيت أم بشار وقد تلقوا نبأ إعدامه ,
_ الله يرحمك بشار كان بطلا ..
_ قالت صفية ذلك .. وهي تسير إلى جنبي . كانت مكتئبة إلى درجة إني لو كلمتها لانفجرت باكية ..
_ من هذا بشار .. الذي أصبح حديث الكل ..؟
_ لاعب كرة قدم كان في المنتخب العراقي ،أعدموه بعد سنتين كان مغيبا فيها قي السجون عن أهله ..
_ ولم أعدموه ..
_ يكفي أي تهمة أن تطلق جزافا لأي فرد كان بدليل أو دون دليل حتى يعدم .. أي إنسان كان ، مجرد شك به قد يلقى حتفه...؟
_ هل هو شيوعي ..؟
قالت صفية باستغراب وهي تنظر إلي بدهشة
_ ومن قال لك ذلك ...؟
_ خالي قال عنه ذلك .. (وقال ورغم أنه كان متأثرا بإعدامه ) أنه كان طيبا و كريم الخلق ،يحبه الجميع ..؟ .. لكن من يقف بوجه الحكومة ..؟ الذي يتزوج أمي أقول له أبي ....
_ الشارع مضطرب .. العيون مترقبة ..ثمة قلق وخوف وتوجس .. كل الأمور تسير نحو الأسوأ .. الجبهة الوطنية سيفرط عقدها .. مئات الشباب في السجون .. كل قيادات الحزب هربوا للخارج ..إني خائفة على شاكر
لم أعرف عمن تتكلم ..؟.ولم تتكلم هكذا وهي مدركة إني لا أفهم شيئا مما تقول ..؟ ..كانت كمن يحدث نفسه ومن هو شاكر الذي تخاف عليه .. سألتها وانا متوجسة من سؤالي
_ أنه أخي ...
رب أن ما تخشاه بسبب أن أخيها ...
كتمت مخاوفي في داخلي . ورأيت في صحبة صفية خطر كامن .. قد يجرني إلى هاوية لا أعرف قرارها .. قررت بداخلي ألا أعمق علاقتي بها .. فكل حديثها يدل على عداءها للحكومة ... ومثل كل يوم ينتهي بنا المطاف عند باب بيت خالي حيث تودعني بابتسامة جميلة متفائلة
إلا هذه المرة كانت مختنقة بعبراتها .. شاردة .. مقلة بالحديث .. ودعتها وهي مطرقة الرأس تحرك بقدمها كل ما تجده في طريقها ساكنا ..
لا أعرف ما أستجد في حياتها وقلب كيانها وجعلها تتجهم هكذا .. أهو موت بشار أم أن نذر جديدة تلوح في الأفق .. خصوصا إني عرفت من خالي أن حملات من المداهمات والإعدامات ستنفذ بحق الشيوعيين .. لا أعرف لم ظل يتردد علي هذا الاسم كثيرا وكأنني على موعد مع أحزان جديدة .. فالموت الذي طالما خفته أصبح يطرق سمعي كثيرا .. أصبحت أسمع أصوات وكأنها قرع طبول تفجر في كياني ..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سالم الحميد



عدد المساهمات : 9
تاريخ التسجيل : 05/01/2012

مُساهمةموضوع: رد على نص رواية   الجمعة سبتمبر 21, 2012 8:16 am

_ أنه أخي ...
رب أن ما تخشاه بسبب أن أخيها ...
كتمت مخاوفي في داخلي . ورأيت في صحبة صفية خطر كامن .. قد يجرني إلى هاوية لا أعرف قرارها .. قررت بداخلي ألا أعمق علاقتي بها .. فكل حديثها يدل على عداءها للحكومة ... ومثل كل يوم ينتهي بنا المطاف عند باب بيت خالي حيث تودعني بابتسامة جميلة متفائلة
إلا هذه المرة كانت مختنقة بعبراتها .. شاردة .. مقلة بالحديث .. ودعتها وهي مطرقة الرأس تحرك بقدمها كل ما تجده في طريقها ساكنا ..
لا أعرف ما أستجد في حياتها وقلب كيانها وجعلها تتجهم هكذا .. أهو موت بشار أم أن نذر جديدة تلوح في الأفق .. خصوصا إني عرفت من خالي أن حملات من المداهمات والإعدامات ستنفذ بحق الشيوعيين .. لا أعرف لم ظل يتردد علي هذا الاسم كثيرا وكأنني على موعد مع أحزان جديدة .. فالموت الذي طالما خفته أصبح يطرق سمعي كثيرا .. أصبحت أسمع أصواتا وكأنها قرع طبول تفجر في كياني حالة الأمان اللحظية ..

أكثر ما يؤرقني إني أسمع موت شاب .. فهو ذات الموت الذي يلاحقني منذ أن أتيت إلى بغداد ..
سلمان المنكوب . أنصت إلى صوته العذب من خلال ألة التسجيل في المقهى أتمنى أن أقف أو أجلس في المقهى لأسمع شدوه .. يردد بشجن وحزن كامن في الأعماق .. ليس أعماقه هو فحسب بل أعماق كل العراقيين ..
إذ اكتست حياتهم بطابع حزين وكأنهم جبلوا عليه ، فهذا النغم الحزين كالدمع حين تجود به العين يطفئ نيران القلوب الموجوعة .. من كرب وغم وهموم حياتية ..لا تنتهي لأنها وليدة صراع إرادات ومصالح ومنافع ..
خالي بقي يتحمل عبء مأساته لوحده .. هاهو ينظر للأفق بعينين شاردتين .. أول مره أراه يبكي بكاء مرا .. رأيته يمسك بشباك الأمام الكاظم يهزه بقوة ..
_ ساعدني يا رب .. ساعدني لأعبر هذه المحنة .. فها أنا ألجأ إليك متوسلا ، أن تفرج عن كربي ، وتيسر أمري .. فمن لهم بعدي .. يا رب ساعدني أرجوك ..
كنا جالسات على الأرض متلفعات بعباءاتنا .. أنا وأمي و جسومة ، عرفت أن الأمور قد تأزمت وإلا ما الذي يجعله يزور مرقد الأمام الكاظم .. إلا وأن مشكلة كبيرة جعلته يلتجأ إليه .. هو الذي كان يعتبر هذه الطقوس شكلا من أشكال الجهل والتخلف .. كم مرة طلبت منه زوجته أن يحقق لها أمنية الزيارة تلك .. لكنه كان يخصم الحديث قائلا إن كنت تودين الذهاب لا شأن لي بك خذي الأطفال وأذهبي . منذ أن جئت بغداد ولم تكحل عيني بزيارة المرقد .. لذا كانت دعوته إيانا مفاجئة للجميع .. الكل لم يشعر بالتغيرات التي حصلت لخالي وجعلته يترك المقهى .. ليجلس في البيت مستسلما لأحزانه .. سمعت صوته يتهدج باكيا وهو يصلي .. الكل يعزي ذلك إلى هداية من الله ...
رغم أن مخاوفه لم تكن أسيرة داخله .. بل طفحت لتظهر على محياه بملامحه بتصرفاته .. وعدم اهتمامه بمظهره .. وبقلة حديثه واقتضابه وكثرة شربه للسجائر ..
كانت أمي وجسومة تتسامران في حديث ودي غير آبهتين لنا ،والأطفال فرحون يجرون في الساحة الكبيرة وهم يضحكون أحس الجميع أن ثمة تغير طرأ ب0حياتهم لذا بانت الفرحة بعيونهم .. إلا أنا وخالي .. فقد أبعدته الهموم عن أدراك هذه المتعة المؤقتة فيما شغلني قلقي عليه من الفرح بتحقيق أمنيتي
كنت قريبة منه في الحافلة رأيته يطفئ السيجارة قبل أن تنتهي .. ليستبدلها بواحدة أخرى
_ خالي ماذا حدث ..؟
حاول أن يخفي ارتباكه وقلقه ..
_ لاشيء ..
_ بل هناك ألف شيء ...!

انتهت محاورتي و إياه بكلمة لاشي ء ثم غرق في صمت مطبق ..
قد اختزل الزمن في لحظة واحده وأنا أسير مع صفية فاللحظات الجميلة تمضي سريعة ولا يمكن تعويضها ، نفس الخطى وعلى ذات الطريق تتكرر ، وقد تتكرر الوجوه ، وتتكرر المشاهدات
((صفية لا أعرف كم أحبك أنا ))
رنت إلي .. بفتور . ثم ابتسمت ..
_وأنا كذلك أحبك. فأنت أصبحت أقرب الناس إلي حتى صالح أخذ يغار منك .. ويقول أن عزيزة أخذتك مني
_كنت أخشى أن تلفني الدنيا بدهاليز الظلمة . فلا أرى من المعارف إلا بحدود علاقاتي بأمي وخالي ...
واليوم أصبحت لي صديقة .. ملأت علي الدنيا أملا بعد أن جفت أرضي وصارت يبابا ، أصبح لحياتي طعما وقيمة بسببك.. منذ زمن طويل فارقني الفرح ،
لم يقف قطار عمري مرة إلا بمحطات الأحزان وما رأت عيني جمالا .. إلا بك ومن خلالك ..
_ يا ... أنت تبالغين ليس لهذا الحد ..؟



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سالم الحميد



عدد المساهمات : 9
تاريخ التسجيل : 05/01/2012

مُساهمةموضوع: تنهدات عند كهوف الغربة مسودة رواية    الجمعة سبتمبر 21, 2012 7:39 pm

_ وهل يبالغ من يصف حقيقة مشاعره ..
أشرق وجه صالح حين رآنا قادمتين .. كانت الفرحة لا تسعه ...؟
_ البقاء في حياتك صفية
صافحها بحرارة .. وكنت مستغربة من عبارات التعزية التي قابلنا بهية فهي لم تخبرني بوفاة أحد من أقاربها ..
_ لقد تأثر شاكر تأثرا كبيرا بوفاته فقد كان بشار صديقه
هنا أدركت سر خوف صفية على أخيها .. شاكر .. أهو مثلها بهذه الرقة ..أهو وسيم ..طويل .. لا أعرف لم شغل بالي هذا الاسم ، أهي غيرة من صفية وأنا شاهدة على تلك اللقاءات الحميمية بينها وبين صالح ، أم هي غريزة الأنثى لدي تحركت بعد سبات طويل .. فكثيرا ما كنت أختلس النظر إلى الشباب وهم يطوقوني بنظراتهم .. رغم إني كنت أعلن لامبالاتي اتجاههم لكن هناك غرور يركبني وأنا اسمع عبارات بريئة تند من هذا أو ذاك .. تركتهما مودعة . السوق يمتد طويلا .. المواد التي أنوي التبضع بها . لا تستدعي وقتا هكذا . لكني رحت أختلق الأعذار حتى أتخلص من عواصف الغضب التي تعصف بي كلما دخلت البيت .
دخل خالي مطرق الرأس .. أثقلت الهموم رأسه .. وكأن الأيام التي مرت به سنين فكبر كثيرا ..وأذبل جفونه كثرة الأرق .. فكثيرا ما كنت أراه مختنقا بعبارته في منتصف الليل والكل نائم هانئين بأحلامهم ..
رثيت حاله رغم إني بحاجة لمن يرثي لحالي وأنا أتعرض إلى هذا الكم من الأهانات .. والتجريح .. ورغم ما مرت بي من ظروف لكني لست حملا لهذا التجاوز .. وإلى تلك الكلمات النابية .. التي كانت تستفزني بها بسبب ودون سبب
وجد في الجو ما يكفي من غيوم لتمطر مزنا من الهموم تضاف إلى هموم نفسه ..
_ مساء الخير
بادرنا قائلا .. رأى جميع الوجوه مكفهرة .. مختنقة ببراكين من الغضب .كانت أمي أكثرنا أسى .. ردت التحية ببرود قيما لذت أنا بصمتي واكتفت أمي بالنظر إليه ..
_ نذر شؤم أرى . ..هل هناك .. ما يكدر صفوي
_ لاشيء .
قالت أمي
وقبل أن يتكلم بادرته جسومة.. شاكية باكية ..
_ أنا أسب .. ويلعن والدي ..
ثم انتفضت وهي تصرخ من ثم انفجرت باكية
_ ان عزيزة وتشتمني
_ عزيزة
قال مؤكدا ..
_ نعم عزيزة .ز وهل أنا كاذبة
قال بتهكم ..
_ لا حاشاك يا زليخا ..!
بكيت بحرقة وأنا ، أعيش هذا الهوان والذل . أعيش ألما نفسيا قاسيا ،
حاولت أن أسيطر على نفسي ، لم كل هذا العذاب ،÷ لم نحن نعيش هكذا محرومين من أبسط حقوقنا كبشر ، فكرت كثيرا في الانتحار لأتخلص من تلك العذابات التي رافقتني منذ أن قتلت كريمة ، وكأن الحياة لم يعد فيها أي أثر للجمال ، ربما صفحة واحده إن طويتها أكون قد مت .. صفية .. هي الشيء الوحيد الذي يربطني بهذه الحياة ،
حاولت الدفاع عن نفسي إلا أن أمي . أشارت علي بالسكوت ..
_ اعتذري من خالتك
واعتذرت حيث لا حيلة لي أمام بقائنا هنا . لا أحد لنا في هذا العالم الواسع .. من يأخذ بيدنا وقد تنكر لنا أقرب الناس لنا ..
قد أجد عذرا لجسومة التي مهما فعلت تجد نفسها في حالة دفاع عن كيانها وبيتها واستقلاليتها ، وحريتها التي قيدت بنا .. خصوصا أنها لم تعش تجربة أن تكون كنة فقد وجدت نفسها مستقلة في بيت كبير نسبيا لوحدها لا أحد يشاركها مملكتها .. في حين أن مثل تلك البيوت والتي لا تزيد مساحتها على مئة وأربعة وأربعين مترا قد تحوي على أكثر من ثلاث عائلات ..
سكنت جسومة بعض الشيء ورأيت في عينيها الشخص الآخر الكامن في شخصيتها جسومة الطيبة ، التي فيها مستودعا من العواطف المخزونة .وددت حينها ان لااتقبل عذرها ، الذي لا عبرة فيه لها ،
_ اقتربت مني قبلت رأسي ومن ثم راحت تعتذر لي .
كتمت غيضي وتقبلت
أن أدوس على كرامتي . من أجل عيون خالي وأمي .
رأيت خالي يلوذ بصمته ..
فما به من هموم يكفيه .. عملت له قدحا من الشاي وجلست قربه .. مست على شعري وقال وفي عينيه حزن لا يطاق ..
_ عزيزة .. كيف سيكون مصيركما بعدي
_ لا يا خالي .. لا تقل هكذا .. عمرك طويل ..
لم أعرف ما يرمي إليه خالي ..
_ أكتفوا بعقوبتي عقوبة انضباطية .. ولكني خائف من قادم الأيام .. فالمدير عضو شعبة وقد يحولها إلى مسألة سياسية ، لا مانع أنه يقول سب البكر أو السيد النائب .. ولا أحد يكذبه .. أخاف العودة إلى المكتب ..
_ خالي أن تتكلم عن أشياء لا أعرف عنها شيئا ..
_ لا عليك إنها مجرد فضفضة .. ثم أضاف وهو يبتسم ابتسامة مصطنعة .. إني أكلم نفسي ..أذهبي ونامي ..
لم يجد النوم طريقا لعيوني ..فقد كنا في خصام وقطيعة ومهما حاولت أن أخدع نفسي وأهادنها .. لكن لا أمل ..عددت النجوم .. حتى وصلت للألف.. ولم يغفو لي جفن .
_ هل أنت مستيقظ
قالت جسومة لخالي بعد أن استوت بجلستها ..
أطفا خالي سيجارته في المطفأة .. ورنا إلى كتلة اللحم ،
_ أن في نفسي أشياء تؤرقني .. تقلق وسادتي
نظرت إلى الساعة وجدت عقاربها تشير للثالثة صباحا ..
_ الساعة الثالثة صباحا ...
_ اعرف ذلك
_ أليس في نفسك رغبة ..
مسكت يده وحاولت أن تجذبه إليها .. لكنه كان كتمثال من الكونكريت .. لم تعد في نفسه رغبة لشيء .. قامت من مكانها ودلفت إلى غرفة .. وهي تسير بغنج ودلال تحاول إغراءه .. رأيت كامل تضاريس جسد جسومة من خلال قميص النوم ..
عند الصباح لم يتناول خالي فطوره وراح يرتدي ملابسه التي اعتاد أن يلبسها عند ذهابه للعمل . صادف إني خرجت معه لشراء قشطه من المعيدية التي كانت تجلس على قارعة الطريق .. كان طوله مهيبا وهو يسير معي ..
الصباح يحمل أنفاسا باردة .. الكثير من النساء متجمعات حول تلك المرأة ..
كل شيء يوحي بأن ثمة شيئا حدث .. فالرجال متجمعون في المقهى تعلوهم مسحة من الحزن .. البعض يجلس القرفصاء ، عيون دامعة .. المقهى كئيب .. سار خالي بخطى ثابته متثاقلة . نحو أصدقاءه الذين سلموا أنفجر أحدهم باكيا .. وصوته يتهدج
_ أبو كاظم مات
_ لا أله إلا الله . البقاء لله .. لا حول ولا قوة إلا بالله
خرجت الكلمات من صدره و كأن سهام ذات شعاب تخرج من صدره .. رأيت دمعة تنحدر من عينيه ‘ لم يبالغ بحزنه لكنه كان متأثرا .. إلى أنه تنحى في أحد أركان المقهى وظل صامتا ..
كنت أتابع المسيرة التي تبعت نعش أبو كاظم ملفوفا ببطانية .. حتى جسومة أتت لتوديعه بعد أن سمعت الخبر .. مسكت بيدي طالبة مني عدم الذهاب ..
_ لا أله إلا الله ..
تقيأت البيوت أهلها .. ليزداد حشد المشيعين .. نساء ورجال ..
رأيت خالي يخرج منديلا من جيبه ويصرخ بأعلى صوته .. عرفت انه لا يبكي أبو كاظم رغم تأثره , كان يبكي حاله .. مصير ه المجهول .. لم يكن هناك بصيص من الأمل يجتاح نفسه ..
أمسكت بعلاقة المسواق .. ورحت أسير بتثاقل .. رأيت صفية تخرج من دكان صالح





الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تنهدات عند كهوف الغربة مسودة رواية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
سالم  :: الفئة الأولى :: المنتدى الأول-
انتقل الى: